|
سـيـاســة
بــدون
سـيـاسـيـيـن
عكيفا
أور
©
يسمح
نسخ، تكرير، وتوزيع هذا الكتيّب
بأي شكل كان على الا يكون الهدف لغرض الربح وان لا تموّه روح ما جاء فيه.
كتب
هذا الكتيب باللغة
الانجليزية
في الاصل ويمكنك ايجاده في موقع الانترنت
www.abolish-power.org
شكرا:
لدافيد مرحاف على ترجمة الكتيّب الى العبرية، والى عنات بارليف، امنون
هيلل وعدنا
شيمر على ملاحظاتهم والتصليحات المجدية.
وحيث
أنني كنت قد أدخلت تغييرات كثيرة في الصياغة النهائية للكتيّب فهم ليسوا
مسؤولين
عن الافكار والاغلاط الواردة فيه. فالمسؤولية عن الفحوى, الصياغة، الافكار
والاخطاء تقع على عاتقي فقط.
عكيفا
أور، تل- أبيب، حزيران 2005
ملاحظة:
استعمال صيغة المؤنث او المذكّر يؤشر الى الجنسين.
الفهرست
|
مقدّمة
|
4
|
|
1. السياسة
- ما هي؟
|
6
|
|
2. أن
تقرّر هو ليس أن تستنتج
|
8
|
|
3.
قِيَم
|
11
|
|
4. السياسيون
|
15
|
|
5. المجتمع
|
18
|
|
6. الدولة
|
20
|
|
7. الديموقراطية
|
22
|
|
8. الحريّة
|
24
|
|
9. المساواة
السياسية
|
26
|
|
10. الأحزاب
|
29
|
|
11. الديموقراطية
المباشرة
|
31
|
|
12. الديموقراطية
المباشرة في أماكن العمل
|
33
|
|
13. الديموقراطية
المباشرة في أجهزة التعليم
|
35
|
|
14. الديموقراطية
المباشرة في
العائلة
|
37
|
|
15. القواعد
الاساسية للديموقراطية المباشرة
|
39
|
|
16. كيف
تعمل
الديموقراطية المباشرة
|
41
|
|
17. مشاكل
في
الديموقراطية المباشرة
|
43
|
|
18. ردود
على
النقد الموجه للديمقراطية المباشرة
|
50
|
|
19. كيف نحقق
الديموقراطية المباشرة
|
57
|
[إلى
الأعلى]
مقدّمة
فقد
معظم الأشخاص ثقتهم في معظم السياسيين في جميع انحاء العالم. في كل دولة
تطالعنا
الصحافة يوميا عن الغش لدى السياسيين والفساد والتجاوزات المختلفة, وحتى
هنالك
سياسيون كثيرون لا يحظوا بثقة مؤيديهم. يعتقد الكثيرون بان السياسة تخلق
فسادا
بالضرورة -فهنالك المثل المعروف: "إن أي حكم يفسد"-, وتوقف كثيرون عن
المشاركة في العملية الانتخابية لانهم فقدوا ايمانهم بان الانتخابات
يمكنها خلق
تغييرات مهمة في المجتمع.
عدم
المشاركة في العملية الانتخابية هو تصويت بـ "عدم الثقة" في مبنى
النظام.
هنالك
من خاب ظنهم من سياسيين فاسدين ويبحثون عن سياسيين أنقياء, وفي حال
وجدوهم, فستتحين
اللحظة, لا محالة, التي فيها ستصيبهم خيبة الأمل منهم. يؤمن البعض ان
الدكتاتورية
تمنع الفساد ولذا فهي أفضل من حكم الممثلين الذين انتخبوا في الانتخابات.
وهناك
آخرون من هم على معرفة بأن الفساد في النظام الدكتاتوري انما هو اكبر منه
في نظام
منتخبي الجمهور; هؤلاء لا يرون أي بديل للنظام الانتخابي وبهذا ييأسون
ويتركون
إدارة المجتمع للسياسيين. هذا يؤزّم المشكلة, بحيث تبقى إدارة المجتمع في
ايدي
قلّة تهتم لذاتها وليس للمجتمع.
ماذا
يمكن فعله لتحسين وضع السياسة البائس اليوم؟
يشرح
هذا الكتيب كيف يمكن للمواطنين انفسهم ادارة المجتمع بدون سياسيين.
"السياسة"
هي اتخاذ القرارات تتعلّق بالمجتمع كلّه . اذا كان المواطنون يقرّرون بأنفسهم
ماذا على المجتمع بأسره أن يفعل فلم تكن هناك حاجة للسياسيين. السياسيون
هم مجرّد ممثّلون
للمواطنين ولا أكثر, وهناك حاجة لممثلين فقط اذا رغب المواطنون ان يمثّلهم
أحد ما
غيرهم. من يمثل نفسه لا يحتاج الى شخص آخر ليمثّله. اذا أعلن المواطنون
انهم
يمثّلون انفسهم فلن تبقى هناك اية صلاحية لممثّليهم. الصلاحية
في
اتخاذ القرار عن الآخرين هي مصدر الفساد في السياسة.
يعمل اؤلئك
الذين يطمحون الى امتلاك هذه الصلاحية أي شيء من أجل الحصول عليها, فيما
يعمل من
لا صلاحية له أي شيء من أجل الفوز بفضائل أصحاب الصلاحيات. بأي شيء نقصد
أيضاً الأعمال
الغير مقبولة اخلاقياً وقانونياً. استغلال الصلاحية الممنوحة يولّد الفساد.
صلاحية
اتخاذ القرار عن آخرين هي – "القوّة"
في السياسة.
"القوّة"
–
ليس السياسة – تولّد
الفساد.
عندما يقرر
المواطنون جميعهم بانفسم ماذا قرارات متعلّقة بالمجتمع كلّه فهناك تكون "الديموقراطية
المباشرة"
(د.م), وهي "مباشرة"
لان كل مواطن يقرّر مباشرة – دون ممثّل – جميع
القرارات السياسية. في نظام حكم
الديموقراطية المباشرة لا يقرر احد عن الاخرين ولا يتلقى أحد راتبا مقابل
قرارات
سياسية, فلفي هذا النظام لا توجد حاجة الى السياسيين. إلغاء صلاحية القرار
عن الآخرين
تبطل الفساد وتنظف السياسة من الغش، الرشوة، التلوّن والمشاحنات. إن ثمن
ادارة
المجتمع في الديمقراطية المباشرة قليل جدا حيث لا أجر مقابل القرارات
السياسية،
فلا يوجد هناك سياسيون لكي توفّر لهم المصروفات (رواتب، مكاتب، سكرتاريا،
سفر الى
خارج البلاد، محفّزات وسيارات). نظام كهذا يشجع مشاركة المواطنين انفسهم
في إدارة
المجتمع. سيحل هذا النظام مشاكل اجتماعية كثيرة, لكن ليس جميعها. فلا يوجد
أي نظام
حكم يمكنه ان يحل جميع المشاكل الاجتماعية, والذي يؤمن بوجود نظام كهذا
فهو مصاب
بوهم خطير للغاية.
ليست
هناك أي إمكانية لحل جميع المشاكل الاجتماعية
النظام
الذي يشارك فيه جميع المواطنين في اتّخاذ القرارات ولا يقرر أي شخص فيه
بدل الآخرين
قد يحل مشاكل اجتماعية كثيرة, لكن ليس جميعها. عندما يحق لأي مواطن
الاقتراح والمناقشة
والتصويت على جميع القرارات فلن تكون لاي شخص صلاحية القرار عن الاخرين
ولن يتمتع
أي شخص بـ "القوّة السياسية". "القوة السياسية" تعمل كالمخدّر
الذي يدمن عليه الاشخاص ويعملون أي شيء للحصول عليه. الذي يملك الـ
"القوّة
السياسية" – في كل دولة، في أي بلدية، في أي كنيسة، في أي نقابة
مهنية، في أي
مدرسة وفي اية عائلة – يدمن عليها. يجب اعتبار "الـقوّة
السياسية" مثل
المخدّر والشخص الذي يستعمل هذه "القوّة" مدمنا على المخدّر. شخص كهذا
سيفعل أي شيء من اجل الحصول على المخدّر. ان الديمقراطية المباشرة هي دواء
لترك
هذا المخدّر, فهي تمنع اتخاذ قرارات سياسية بدل الآخرين مما يمنع وجود
"القوة
السياسية". لكل
مواطن في نظام كهذا
صوت واحد – فقط واحد – في أي قرار سياسي. كل مواطن
يمثّل نفسه فقط ولا يمثّل أي
مواطن آخر. اذا سبب القرار نتيجة غير مقبولة فان المسؤولية تقع على عاتق
المصوّتين
الى جانب القرار. لأجل منع تكرار قرارات كهذه على كل من صوّت الى جانبها
ان يعيد
النظر في اعتباراته. هذا يجبر الناس على البحث عن اسباب المشاكل السياسية
في
دواخلهم – ليس خارجهم – والتغلب عليها.
المبدأ
الأساسي للديمقراطية المباشرة هو كاتالي: لكل
مواطن
الصلاحية للاقتراح، البحث، والتصويت على جكيع القرارات التي تتعلّق
بالمجتمع كله.
كل
مواطن يقرّر عن نفسه فقط ولا يقرّر شخص بدل الآخرين. هذا يلغي الـ"قوّة"
السياسية لان الـ "قوّة" السياسية تعني الصلاحية في اتخاذ القرار عن
الآخرين. لكل مواطن حق الاقتراح في اية لحظة، وكذلك البحث والتصويت على أي
قانون
وسياسة. وكل مواطن يقرر إذا يستعمل -وكيف يستعمل- هذا الحق.
[إلى
الأعلى]
1.
السياسة
– ما هي؟
مصدر
الكلمة الانكليزية “politics”,
والتي تعني "سياسة",
هو الكلمة اليونانية polis,
أي "مدينة", والمدينة في اليونان
القديمة كانت بمثابة دولة
ايضا.
كل
مدينة في اليونان القديمة شرّعت قوانيناً لها، وأنشأت محاكم لها، واخترعت
نقدا
خاصا بها، وكان لها جيش خاص بها وكذلك سياسة خارجية.
كثير
من هذه البوليسات سمّيت باسماء من أنشأتها: فقسطنطينوبوليس هي البوليس
التي بناها
القيصر قسطنطين; أدريانوبوليس أنشأها القيصر أدريان; وأكروبوليس هي
"المدينة
العالية", أي الجزء الجبلي من أثينا.
ف"سياسي",
اذا, تعني كل من هو متعلق بـ "بوليس"; وال"سياسة" هي
"اتخاذ القرارات المتعلّقة بالبوليس".
ما
تقرره الـ"دولة"("polis")
يسمى "سياسة" ("Policy"),
ولئك الذين يقررون ماذا تفعل الـ
"بوليس" هم ال"سياسيون".
الذين
مهمتهم تطبيق قوانين الـ"polis" يدعون police,
اي الشرطة. في اللغة العبرية جاء
المصطلح "משטרה" ("مشطاراه"
- الشرطة) من
الجذر "משטר"
("مشطار" - النظام), حيث
الـ"משטרה"
(الشرطة) هي
الجسم الذي
يحمي الـ"משטר"
(النظام).
كانت
هناك في اليونان مدن قرر فيها شخص وحيد ماذا تفعل المدينة كلها، فيما قرر
شيوخ مدن
أخرى أو أصحاب الأرض في ماذا تفعل مدنهم. في أثينا قرر جميع
المواطنين ماذا
تفعل المدينة كلها. هذا النظام
يدعى "ديموس – قراطية"، لأن الـ "ديموس" (demos)
أي كل المواطنين (لم يشمل هذا
النساء والعبيد في العصر القديم) قرروا جميع القرارات التي تلزم المدينة
كلها.
يستعمل
المصطلح "ديمقراطية" في ايّامنا للاشارة الى نظام الحكم الذي يقرر فيه ممثّلون
عن المواطنين – ليس المواطنون انفسهم – جميع القرارات
لأجل المجتمع كله. من الخطأ
تسمية نظام حكم يقرر فيه ممثلو المواطنين ماذا يعمل المجتمع كله باسم "ديموس
– قراطية". ففي الـ ديموس – قراطية يقرر الـ "ديموس"
ذاته (
أي جميع المواطنون بأنفسهم), ولا يقرر شخص بدل آخر.
ما
زال الكثيرون اليوم يرضون بان يقرر عنهم ممثلون, فهؤلاء لا يرون اي بديل
آخر. حتى
زمن قريب كان يلزم الكثير من الوقت من أجل فحص ماذا تريد الجماهير. ولكن
في الوقت
الراهن يمكن فعل ذلك عن طريق الوسائل الالكترونية – الهاتف
الخليوي، البطاقة
الممغنطة، الحاسوب وشبكة الانترنت.
يستطيع
اليوم ملايين المواطنين اتخاذ أي قرار يتعلق بالمجتمع كله. نظام كهذا هو
"الديمقراطية
المباشرة", والذي يستطيع فيه أي مواطن – بدون ممثّل –
ان يقترح، وأن يبحث ويصوت
في أي قرار يتعلق بمجمل المجتمع.
هل
هذا ممكن تقنيا؟ نعم.
هل
هذا مقبول؟ متعلق لمن. لبعض الاشخاص – لا. لآخرين –
نعم.
السياسة
هي اتخاذ
القرار
عن المجتمع
كله.
عندما
"نقرّر", ماذا "نقرّر"؟
في
السياسة هناك نوعان للقرار:
1. القرارات
السياسية, والتي
تقرّ بما علينا فعله.
2.
القرارات التنفيذيّة, واتي تفرّ بكيفيّة الفعل.
يبحث
الفصل التالي بقرارات من النوع الاول.
ويبحث
الفصل الذي يليه في قرارات من النوع الثاني.
[إلى
الأعلى]
2.
أن
تقرّر هو ليس أن تستنتج
يخلط
الكثيرون بين عمليّتا أخذ القرار والاستنتاج. أخذ القرار ينبع في احيان
كثيرة من
الاستنتاج وبالعكس, لكن الحديث هنا هو عن إجتهادي تفكير مختلفين. فأن
تقرّر امر ما
هو ليس
ان تستنتجه.
"أن
نقرّر" يعني ان نفحص امكانيات
مختلفة
وأن نفضّل إحداها.
"أن
تقرّر" هو "أن تفضّل". TO
DECIDE IS TO PREFER
"أن
نستنتج" هو أن نتفحّص
وضعا
(وليس "إمكانيات مختلفة") ونقوم بتشخيص داءه.
"الاستنتاج"
هو "تشخيص" TO
CONCLUDE IS TO DIAGNOSE
هنالك
4 فوارق
بين "أخذ
القرار" و"الاستنتاج":
1. "أن
نقرر" هو أن "نفضّل". أي عندما
يكون هناك عدد من الامكانيات يجب تفضيل واحدة.
يتحدّد
التفضيل بواسطة القيمة
(أنظر الفصل
الثالث). لذا فان قراراتنا تتعلق بقِيَمنا.
لكن
"ان نستنتج" فهو "ان نشخّص". هنالك تشخيص صحيح واحد فقط لا
يمكن تفضيله. والتشخيص الصحيح هو نتيجة أكيدة
للمعرفة والمنطق.
يتحدّد
"الاستنتاج" بموجب المنطق وليس وفق القيمة. ونجد أنفسنا مضطرين لقبوله حتى
لو عارضناه.
انه لا يتعلق بالقيم. هنالك استنتاج واحد صحيح
وعلينا استنتاجه من المعرفة بواسطة تحكيم المنطق والمعرفة التقنية.
يتحدّد
الاستنتاج وفق المعرفة والمنطق لكن القرار تحدّده "القيمة".
2.
يكون
القرار "جيدا" أو "سيئا" لكنه لا يكون "صحيحا" أو
"خاطئا".
"غزو
لبنان" (عام 1982) كان قرارا
"سيئا"/"جيدا" وليس استنتاجا "خاطئا"/"صائبا".
لكن
الاستنتاج يكون "صحيحا" أو "خاطئا" وليس "جيدا" أو
"سيئا".
2
+2=5 هو استنتاج "خاطئ" وليس "سيئا"، وبالطبع انه ليس
"قرارا".
3.
من يتخذ قرارا
يكون هو مسؤولا عن نتائجه حيث
كان بامكانه اتخاذ قرار آخر – بحسب قيمة أخرى –
والحصول على نتيجة أخرى. لكن من
يستنتج استنتاجا
فهو غير مسؤول عن نتائجه حيث
انه ليس بمقدوره ان يستنتج استنتاجا آخر هو أيضا صائب.
من
يستنتج استنتاجا فهو مسؤول عن صحّته
– وليس عن
نتائجه.
4. المعرفة
تحدّد الاستنتاج لكنها لا تحدّد القرار.
هذه
المعرفة تضطر أشخاصا مختلفين استنتاج الاستنتاج ذاته، لكنها لا تجبر
أشخاصا
مختلفين على اتخاذ القرار ذاته.
لايضاح
الفرق بين القرار والاستنتاج، نقارن بين الامير هاملت الذي يفكر في: "ان
يكون او لا يكون؟" وبين الطبيب
الذي يفكّر في: "أن
يقطع أو لا
يقطع؟"
كان
امام هاملت امكانيتان يجب عليه ان يقرر ايهما يختار. لا يمكن للمعرفة او
المنطق ان
يساعداه حيث انهما لا يحدّدان ما هو "الجيّد" له. لكن على الطبيب ان
يجيب بموجب المعرفة الطبية، المنطق، والتجربة الطبية، التي تقود الى
استنتاج طبيّ
صحيح. إذا كان للاستنتاج نتائج "سيئة" فالطبيب ليس مسؤولا عنها. فالطبيب
مسؤول ان يكون استنتاجه الطبي – "تشخيصه" – صائبا.
لنتصور
مريضا يشكو من ألم في رجله. ونتيجة لفحص المختبر يستنتج الطبيب ان المريض
أصيب
بالسرطان فيقول:"إذا قطعنا رجلك فانك ستعيش، وإذا لم نقطعها فانك ستموت
قريبا". يستغل الطبيب المنطق والمعرفة الطبية كي يستنتج استنتاجا طبيّا من
المعرفة. انه يستنتج استنتاجا ولا يقرّر قرارا. فاذا كان استنتاجه خاطئا،
فالامر
يعود الى معرفة مضلّلة، أو استعمال خاطئ للمنطق والتجربة الطبية، لكن ليس
لسبب
قيمه. الطبيب يستنتج فقط والمريض هو من يقرّر – إذا كان يوافق
على البتر - أو لا.
المعرفة الطبية تحدد استنتاج
الطبيب وليس قرار
المريض وكيف سيكون رد
فعله على استنتاج الطبيب.
الطبيب
يستنتج والمريض يقرر.
يمكن للاستنتاج
الطبي ذاته
ان يؤدّي الى قرارات
مختلفة لدى مرضى مختلفين.
فقسم يقرر ان يموت على العيش معاقا، فيما آخرون يقررون ان يعيشوا معاقين
على ان
يموتوا. فأي القرارين هو "الجيد"؟
وهل
يمكن للاستنتاج ذاته ان يؤدّي الى قرارين
يناقض احدهما الاخر،
لكن كلا
منهما "جيد"؟
هل
يمكن لقرارين متناقضين أن يكونا "جيّدين"؟
الجواب،
على غرابته، هو - نعم.
حيث
أن هنالك قيمًا
مختلفة للمرضى المختلفين،
بعضهم يفضل العيش معاقا على ان لا يموت، والبعض الاخر يفضل الموت على ان
يعيش
معاقا. فالقراران "جيدان" لمن اتخذهما، حيث انهما ينبعان من قيم
مختلفة، وليس من حقائق مختلفة، أو من معرفة مختلفة أو منطق مختلف. فالناس
لها قيم
مختلفة، ولا يمكن تبرير أي قيمة لان أي تبرير يعتمد هو الاخر على قيمة يجب
تبريرها.
كيف
نربط كل هذا بالسياسة؟
هل
تتحدّد السياسة وفق القرارات ام بحسب الاستنتاجات؟
وهل
"يقرر" السياسيون أم انهم "يستنتجون" ماذا يفعل المجتمع كله؟
في
السياسة يقوم الناس بالتصويت.
"أن
تصوّت" معناه
"أن تنتخب" أي انك
"تفضّل" امكانية واحدة على الاخريات.
كل
من يحدّد السياسة – ملك، دكتاتور، رئيس، رئيس حكومة، سياسي أو
مواطن عادي – يفضّل
امكانية واحدة من مجموع عدة امكانيات.
لا
يمكن تفضيل استنتاج لانه يوجد فقط استنتاج صحيح واحد.
لذلك،
فانه من الواضح ان "السياسة" تتحدّد وفق قرار وليس كاستنتاج.
يتحدّد
القرار بحسب القيمة،
وليس بحسب
المعرفة والمنطق او التجربة.
الحقائق
ذاتها، المنطق ذاته، والتجربة ذاتها، كلها تقود الى الاستنتاج ذاته لكن
ليس للقرار
ذاته انما لقرارات مختلفة – بحسب قيم مختلفة.
ان
الجواب على السؤال "ما العمل"؟ يكون دائما قرارا وليس استنتاجا.
نحن نقرّر
ماذا نفعل (في الحياة الخاصة والعامة) ولا نستنتج
ذلك. الذي يقرر هو المسؤول عن نتائج قراره لانه كان يستطيع ان يقرر بشكل
مختلف
(بحسب قيمة أخرى) وان يحصل على نتيجة مختلفة. الذي يستنتج استنتاجا فهو
ليس مسؤولا
عن نتائجه. حيث انه لا يملك ان يستنتج استنتاجا آخر صائبا هو الأخر.
السياسيون
الذين تسببت قراراتهم بنتائج غير مقبولة يحاولون التهرّب من مسؤوليتهم
لنتائج
قراراتهم ويدّعون: "لم يكن لدينا اختيار".
وهم
يدّعون انهم انما استنتجوا استنتاجا ولذا فهم ليسوا مسؤولين عن نتائجه.
لكنهم صوّتوا. والتصويت
يعني انتخابا/تفضيلا.
والتفضيل هو قرار.
لا
يمكن اختيار/تفضيل الاستنتاج ولذا فلا يمكن إقراره.
[إلى
الأعلى]
3.
قِيَم
القيمة
هي مبدأ يحدّد ما هو "الجيّد" وتتيح التفضيل. والقيمة ليست وسيلة انما
تحدّد هدفا. بدون قيمة لا يمكن التفضيل. "أن نقرّر" يعني ان نختار
امكانية واحدة من مجمل امكانيات. "ان نختار" يعني "أن نفضّل".
ويتحدّد كل تفضيل بحسب القيمة. فالقيمة تحدّد ما هو "الجيّد"
ولمن
هو "جيّد". لكل انسان مثل أعلى حتى لو لم يكن
واعيا لذلك، ويؤمن كثيرون ان قيمهم انما هي "طبيعية" أو "مفهومة
ضمنا".
هذا
خطأ.
لا توجد قيمة طبيعية.
فالقيم
هي اختراع بشري نحتاجها لأننا بدونها لا نستطيع التفضيل. واذا لم يكن
التفضيل
ممكنا فلا نستطيع ان نختار ولا يمكننا ان نقرّر.
قبل
الحرب العالمية الاولى آمن كثيرون في اوروبا ان "الجيّد" يعني:
"الخير لملكي ولبلادي". وآمن الكثير من الامريكيين ان ما "هو جيّد
لشركة جنرال موتورز هو جيّد للولايات المتحدة الأمريكيّة", فهل ما هو جيّد
لجنرال موتورز هو جيّد لشركة فورد؟ يمكن لعمال فورد ان يفكروا بشكل آخر.
القيم
يخترعها اشخاص، وليس "الطبيعة"، وكذلك ليس "الله"، ولا
"التاريخ"، وليس بواسطة "الواقع". ولا تفرض القيم علينا من
الخارج، من الاعلى، او الاسفل. ولو أنها فرضت علينا لما كانت لنا مشاكل
سياسية.
يؤمن كثيرون ان "البقاء" هو قيمة مطلقة فرضتها الطبيعة علينا. لكن كل
منتحر
يدحض هذا. فلو أن البقاء كان مفروضا على هاملت، لغابت امكانية "لا
للحياة"، ولكان عليه ان يقرّر ان يحيا.
لكن
بالنسبة الى هاملت – وآخرين كثر – البقاء ليس قيمة
مطلقة.
ولا
يوجد أية قيمة مطلقة.
كشف
استطلاع أجرته الـ BBC
في العام 2004 ان نحو 71% من مواطني
الولايات المتحدة الامريكية
مستعدّون "للموت في سبيل الرب". ففي نظرهم الاخلاص للرب هو قيمة اعلى من
حياتهم. وهناك من يمنح شكل
حياتهم قيمة اعلى من
الحياة ذاتها.
كثيرون
على استعداد لبذل حياتهم في الحرب من أجل الحرية والكرامة.
وهم
يفضلون الموت في مثل هذه الحرب على الحياة في ظل القمع والاذلال.
"كرامة
أو موت"، و"حرية أو موت" حركت الملايين للحرب ضد القمع بدل الخنوع
له. فهل هم أخطأوا؟
هل
الخنوع للنازيين أفضل من محاربتهم؟ كثيرون أجابوا – لا!
المجتمع
البشري ليس نتاج الطبيعة. كل مجتمع خلقه اشخاص. وفي انشائهم للمجتمع تحرّر
أبناء
حوّاء من عبودية مطلقة للطبيعة. وفي الطبيعة يتحدّد أي قرار وفق الحاجة
البيولوجية. فهل هو "جيد" ان تكون محكوما بشكل مطلق بواسطة احتياجات
بيولوجية؟ هذا يلغي الحرية ويقلص تفضيلنا الى واحد – البقاء.
يحررنا المجتمع من
العبودية للطبيعة بواسطة تسهيل استغلال الاحتياجات البيولوجية. وهو يمكننا
اختيار
القيم التي حددناها، وليس كما حددتها الطبيعة. العيش في مجتمع يتيح لنا
اختيار
تفضيلنا. فنحن نختار وفق قيمنا.
قيم اجتماعية
يمكن تصنيفها الى خمسة انواع بحسب الجواب على
السؤال:
"أريد
ان اعمل الـ "جيّد"، ولكن لمن يكون هذا جيدا"؟
الأجوبة
الخمسة هي:
أ.
جيد
لي (تمركز أنوي/فردي).
ب.
جيد
لملكي، لبلادي، لشعبي،
لقبيلتي (تمركز عرقي).
ت.
جيد
للانسانية (تمركز أممي).
ث.
جيد
في نظر الرب (تمركز ديني).
ج.
جيد
للطبيعة (تمركز طبيعي/بيولوجي).
في
كل لحظة هنالك لكل شخص قيمة عليا فريدة (حتى لو انه غير مدرك لذلك) لأنه
بدونها لا
يستطيع ان يقرّر. لا يمكن أن تكون للشخص ذاته قيمتان علييان في الوقت
ذاته، حيث لا
يمكن تفضيل شيئين .
عندما
تكون هنالك مشكلة: فما هو أفضل؟ يمكن تفضيل شيء واحد فقط – بحسب
قيمة واحدة.
كل
قيمة تناقض القيم الاخرى.
"جيد
ان نموت من أجل بلادنا" ("טוב
למות בעד ארצינו")
يناقض
"جيد لي" وكذلك "جيد في نظر الرب".
التمركز
الأنوي/الفردي – وهو القيمة لدى النظام الرأسمالي –
يناقض التمركز الأممي والتي
هي القيمة لدى الاشتراكية والمسيحية. "جيد في نظر الرب" في حكاية
التقييد في التوراة ليس "جيدا لابراهيم" وكذلك ليس "جيدا لإسحاق".
كثيرون
يستعملون القيمة الاولى مرّة ويستعملون قيمة أخرى في ثانية، لكن في أية
لحظة،
هنالك لكل انسان قيمة عليا وحيدة.
مواجهات
اجتماعية تنبع من اختلاف القيم.
التمركز
العرقي للمجموعة الواحدة يناقض التمركز العرقي للمجموعات الاخرى ويؤدّي في
احيان
كثيرة الى الحروب.
"ألمانيا
فوق الجميع" (كما يقال في النشيد الوطني الألماني "Deutschland
uber Alles")،
وهذا يناقض "احكمي يا بريطانيا" ("Rule
Britannia"
كما يقال في النشيد الوطني غير الرسمي
للامبراطورية البريطانية)
والإثنان يناقضان "جيد للانسانية".
كذلك
فان التمركز الأنوي/الفردي لشخص واحد يناقض التمركز الانوي لكل شخص آخر.
لكل
قيمة عليا هناك قيم أخرى دنيا تحدّد أي فحوى تُمنح للمصطلح "جيد". مثلا،
"جيد لي" يمكن أن تكون صحّة قصوى، أو غنى أقصى، أو قوّة قصوى، أو سعادة
قصوى، أو حياة طويلة، الخ.
كذلك
بالنسبة للقيمة الدنيا، هنالك قيمة دنيا واحدة فقط في اللحظة الواحدة.
كيف
تؤثّر القيم على هاملت وعلى الطبيب اللذين تحدّثنا عنهما سابقا؟
انها
تؤثّر على هاملت، لكنها لا تؤثّر على الطبيب. فعلى هاملت ان يقرر، فيما
على الطبيب
ان يستنتج. يحتاج هاملت الى قيمة كي يقرر ماذا يفضّل، لكن الطبيب يستنتج
بواسطة
معلومات، منطق وتجربة وليس بواسطة القيمة.
لو
كان هاملت متدينا لكان عليه تفضيل ما هو "جيد في نظر الرب"، واختيار
"أن يكون" لان أي ديانة تحدّد ان الانتحار هو "سيء". لكن اذا
كانت القيمة لدى هاملت "أن أعمل ما هو جيد في نظري" فربما يختار
"لا أكون".
لا
يمكن للطبيب ان يختار استنتاجا طبيّا. فهو مفروض عليه بمحض المعرفة
والمنطق. وهذا
الاستنتاج ليس "جيدا" أو "سيئا"انما هو "صائب" أو
"خاطئ" ولذا فانه ليس بحاجة الى قيمة تبرره.
ماذا
بالنسبة للسياسة؟ هل "السياسة" متعلقة بالقيم؟
السياسيون يختارون
السياسة. والاختيار يحتّم تفضيلا، فيما لا يمكن
التفضيل بدون قيمة تحدّد ما هو الأفضل. لذا فان أي سياسة تتعلق بالقيم.
"جيد
لملكي ولبلادي" كان قيمة عليا لمعظم الاوروبيين حتى الحرب العالمية
الاولى.
وقد تطوّع
ملايين الاوروبيين للموت
"في سبيل الملك والوطن". لكن حربين عالميتين أدّيتا الى تغيير القيم.
فالقيمة العليا اليوم لدى معظم الناس في اوروبا والولايات المتحدة هي
– التمركز
الأنوي/الفردي. أي ان "جيد" هو
الأمر
الـ"جيد بالنسبة لي".
في
خطاب تنصيبه العام 1961، طلب الرئيس جون كنيدي الى مواطني الولايات
المتحدة: "لا
تسألوا ماذا بإمكان بلادكم أن تعمل لأجلكم. وإنما ماذا يمكنكم انتم ان
تعملوا من
أجل بلادكم".
لقد
طلب من مواطني الولايات المتحدة ان يغيّروا قيمهم من الاهتمام بأنفسهم الى
الاهتمام ببلادهم، من إعطاء الافضلية لمصلحتهم الشخصية الى تفضيل مصلحة
المجتمع
الذي يعيشون فيه. قليلون فعلوا ذلك.
تكتسب
القيم لدى الاولاد بواسطة الأهل، المعلمين، القادة، الإعلام إلخ.
ويصعب،
منذ لحظة اكتسابها، تغييرها (لكن الأمر ممكن).
يؤمن
كل إنسان ان قيمته هي "طبيعية"، "مفهومة ضمنا"،
"الاختيار المنطقي الوحيد". لكن
كل قيمة تتعلق بالانسان ولا يمكن تبريرها "بشكل حيادي"، لأن التبرير
ذاته مؤسس على قيمة يجب تبريرها.
على
رغم طلب كنيدي، فإن القليل من الأمريكيين تخلّوا عن تمركزهم
الأنوي/الفردي. وكان
هناك أمريكيون رأوا أن تمركز كنيدي العرقي يتعارض مع تمركزهم
الأنوي/الفردي، ولذا
فقد قتلوه في الثاني من نوفمبر 1963، في دالاس بتكساس. هذه الحادثة
– وأي حرب – تثبت
أن تناقض القيم يؤدّي في أحيان كثيرة الى القتل والحرب.
[إلى
الأعلى]
4.
السياسيون
في
أثينا القديمة، أطلق على المواطنين الذين انشغلوا بمشاكل البوليس لقب Polites,
وهم الذين قاموا باقتراح
سياسة ما (أي policy).
أما اليوم فإن "السياسيين" هم قلة
قليلة تقرر
عن باقي المواطنين في ما على المجتمع كلّه
أن يفعل.
"أن
تصوّت" يعني "أن تختار". "أن تختار" يعني "أن
تفضّل". في الانتخابات للبرلمان ننتخب ممثّلين يفضّلون عنّنا ما يفعله
المجتمع كله. اننا ننتخب آخرين يعبّرون عن أولوياتنا وننتظر أن يفضّلوا
بموجب
قيمنا. من المفروض ان يكون الممثّلون الذين انتخبناهم رسلا لنا. تنبع
صلاحيتهم من
موافقتنا على أن يمثّلونا.
لكنهم عمليا يفضّلون بحسب قيمهم ويفرضونها علينا.
لماذا
علينا اختيار آخرين ليفضّلوا مكاننا؟ لماذ
لا نختار بأنفسنا ماذا نفضّل ان يفعل مجتمعنا؟ اننا
ننتخب ممثّلين ليقرّروا بدلنا لان استكشاف
ماذا يفضّل ملايين المواطنين كان حتى وقت قريب عملية طويلة لكن القرارات
السياسية
يجب اتخاذها احيانا في وقت قصير جدا.
إن
الطريق الأسهل لتقرير ماذا يفعل المجتمع كله هو أن يقرّر شخص واحد بدل
الجميع.
ولذا، فإنه على مدار سنين كثيرة، وفي معظم المجتمعات، قرّر شخص واحد (زعيم
قبيلة،
ملك، قيصر) بدل الجميع فيما يعمله المجتمع كله. صلاحية ذاك الشخص لأن
يقرّر بدل
الجميع اعتمدت على أصله أو سيطرته على الجيش. لكن في النهاية، رفض الناس
هذه
الطريقة وقرّروا ان ينتخبوا لهم ممثّلين يقرّرون بدلا عنهم. إذا كان لكل
مائة ألف
مواطن ممثّل واحد فهذا يعني أن خمسمائة ممثّل يمثّلون خمسين مليون مواطن.
ويمكن
لخمسمائة ممثّل أن يجلسوا في قاعة للتباحث وللتصويت برفع الأيدي.
("برليي" بالفرنسية تعني "أن تتكلّم" ولذا فان قاعة الأبحاث
تسمّى "برلمانا").
يستطيع
الممثّلون ان يتّخذوا قرارات كثيرة في كل يوم بدل اولئك الذين انتخبوهم.
هذه
الطريقة ما زالت منتهجة لأنه وحتى زمن قريب تطلّب وقت كبير لاستيضاح ماذا
يفضّل
ملايين الناس، وللشرح لهم عن مختلف الامكانيات ونتائجها، ولتنظيم وسائل
للتصويت،
ولتعداد ملايين الاصوات للناخبين.
كل
هذا يمكن عمله اليوم بسرعة كبيرة في التلفونات النقالة، أجهزة الحاسوب،
التلفزيون
والبطاقات الممغنطة.
ما
زال كثيرون يؤمنون ان السياسيين هم خبراء قرارات. لكن السياسيين ليسوا
خبراء
قرارات. فلا
اختصاص في القرارات.
يتحدد
القرار بحسب القيمة،
وليس بموجب
الاختصاص. فاتخاذ القرار هو وظيفة، وليس مهنة. كل شخص يتخذ قرارات كثيرة
يوميا.
الفيلسوف الأثيني افلاطون – الذي عارض الديموقراطية –
ادعى ان اتخاذ القرارات حول
ما يفعله المجتمع هو مهنة مثل مهنة الربّان الذي يوجّه السفينة بواسطة
مهنة
التوجيه. لكن المجتمع ليس سفينة. ففي السفينة يريد جميع المسافرين الوصول
الى هدف
واحد، أما في المجتمع فلا يريد جميع المواطنين بلوغ الهدف ذاته.
ان
لهم قيما مختلفة ولذلك لديهم – أولويّات مختلفة –
وأهدافا مختلفة.
السياسيون
مختصون في اكتساب صلاحية القرار
(مثلا – هم
مختصّون في المكائد من أجل سحق
الخصوم، ومختصون في النفاق من أجل تضليل المسؤولين، ومختصون في التلوّن من
اجل كسب
مؤيّدين). بدون هذا التخصّص لن يحظوا بالوظيفة. لكنهم لا يملكون أي اختصاص
في
القرارات. فمثل أي شخص، هم يقررون بحسب القيم، وليس بحسب الاختصاص في
اتخاذ القرار.
إذ لا يوجد اختصاص كهذا.
أعلن
مخترعو الديمقراطية في أثينا: "ان
أي طبّاخ يمكنه الحكم".
ومن
السهل أن نرى الى ذلك صحيحا إذ نرى أرنولد شفارتسنغر، صاحب العضلات الذي
أصبح
ممثلا سينمائيا، يتحوّل الى حاكم كاليفورنيا. ويقرّر أرنولد بدل كل
المواطنين دون
أي اختصاص لذلك. ويمكنه القيام بذلك لان له قيما مثل أي واحد. وقد انتخب
ممثل
سينمائي آخر، رونالد ريغن، العام 1980، لرئاسة الولايات المتحدة
الامريكية. فهل
كان يملك اختصاصا فريدا لكي يصبح رئيسا؟ بالطبع لا. لا يوجد لأي رئيس
اختصاص فريد
من أجل أن يصير رئيسا. الرئاسة
هي ومجرّد دور يُقام به وهي ليست
مهنة.
فلا يمكن أن تصير مهنة أبدا, لان اتخاذ القرارات لا
يمكنه ان يصير مهنة. باستطاعة أي شخص ان يصبح رئيسا. فهل يكون رئيسا
"جيدا" (لمن؟) أو "سيئا" (لمن؟) يتعلق الجواب بالقيم –
والأولويات – لدى اولئك الذين يفسّرون قراراته. صحيح ان الخبرة
لازمة من أجل ان
نتكهّن مسبقا بنتائج
القرارات. في "البيت الابيض"
يشرح خبراء
درسوا الموضوع للرئيس الامكانيات المختلفة ونتائجها الممكنة، لكنهم لا
يقرّرون في
الخيار. فقط الرئيس – وهو ليس خبيرا بالموضوع – يقرّر.
من
النادر ان يقرر الخبراء، لكنهم إذ يفعلون ذلك، فإنهم يقرّرون أيضا بحسب
قيمهم،
وليس بحسب خبرتهم.
يعمل
الرئيس كما المحلفين في المحكمة. فالمحلفون ليسوا خبراء في القضاء.
يستمعون الى
المحامين، والشهود والقاضي، وبعدها يقررون ما اذا كان المتهم مذنبا ام لا.
انهم
يفعلون هذا بموجب قيمهم، وليس بحسب معرفتهم في القضاء. والرئيس يفعل الأمر
ذاته.
السياسيون
يقررون ماذا يفعل المجتمع.
تـفرض
الدولة قراراتها على المجتمع كله.
هذا
الأمر يؤدي إلى طرح سؤالين:
1.
ما
هو "المجتمع"؟
2.
ما
هي "الدولة"؟
[إلى
الأعلى]
5.
المجتمع
قالت
مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا في الثمانينيات: "لا
يوجد
في الواقع
شيء مثل "مجتمع"، فالموجود في الواقع أشخاص وعائلات فقط".
وقد
قالت ذلك لتبرير سياستها في الخصخصة، التي لم تجد ضرورة بموجبها لان تكون
المناجم،
السكك الحديدية، مصانع الكهرباء وغيرها ملكا لـ"المجتمع" ولخدمة
الـ"المجتمع"
– الذي بحسب رأيها ليس قائمًا، وانما يجب تحويلها الى ملك خاص
("خصخصة")، وأن تطمح الى ربح مادي. للوهلة الاولى يبدو ان تاتشر على حق.
فاننا لا نرى كيانا يدعى "مجتمع". اننا نرى اشخاصا فقط.
لكن
اذا كانت على حق فمن الصواب القول: "في
الواقع ليس هنالك جيش،
ففي الواقع
هنالك فقط أشخاص بالزي العسكري".
اننا ندرك ان هذا سخف. فالجيش
هو أكثر
من اشخاص بالزي العسكري. الفرق بين الجيش وبين أشخاص يلبسون الزي العسكري
ليس في مظهرهم
وانما في تضرّفهم.
فالاشخاص الذين يلبسون الزي
العسكري كـ "موضة"
لا ينصاعون للأوامر ولا يعملون سوية بحسب خطّة. وهم لا يخاطرون بحيواتهم
ولا
يقتلون آخرين، حتى لو تلقوا الأوامر لفعل هذا.
فقط
الجنود في الجيش يفعلون هذا.
الفرق
بين "اشخاص" و"مجتمع" ليس في المنظر انما في التصرّف. "المجتمع"
ليس فقط تجمّع اشخاص الواحد الى جوار الآخر، انما هو جمهور يتصرف الجميع
فيه بموجب
قواعد تقبلها الأغلبية. هذه القواعد – المعروفة كـ "قوانين"
– تم
تحديدها لمنع المواجهات بين الناس، ويتفق معظم الناس على احترامها، معظم
الوقت.
الانصياع
للقوانين يحوّل "الاشخاص" الى "مجتمع". هنالك قوانين مختلفة
في المجتمعات المختلفة، لكن في أي مجتمع توافق الغالبية على الانصياع لهذه
القوانين ما يجعلهم "مجتمعا". لا ينصاع الجميع لكل القوانين، لكن
الغالبية تنصاع لمعظم القوانين. يقوم البعض بهذا لخشيتهم من العقاب، لكن
غالبية
الأشخاص في معظم المجتمعات ينصاعون لمعظم القوانين لانهم يدركون انهم بدون
القوانين
سيعيشون في نزاع مستمر وتصبح حياتهم مع الآخرين مستحيلة. لو كان كل واحد
ينصاع
لقوانينه فقط، مثلما هو الامر في مدن "الغرب المتوحّش" ("(”Wild
West
في الولايات المتحدة في القرن التاسع
عشر، لما كان هناك
"مجتمع". فهذا الجمهور يعيش في نزاعات مستمرة، بدون نشاطات مشتركة،
فيتفكّك. وقد قال "الهنود الحمر" في
أمريكا: "'الغرب المتوحّش'
صار هكذا فقط بعد مجيء البيض".
حيث ان كل مهاجر أبيض انصاع
لقوانينه هو
فقط.
عندما
يعيش شخص بحسب قوانينه هو، فانه يتخاصم مع الآخرين ولا يكون هنالك مكان
لقيام
"المجتمع".
قبل
نشوء المجتمع كان الناس جنسا من القرود دون لغة للتحدّث ودون تفكير. وقد
خلق
المجتمع لغة التخاطب والتفكير ما أدى الى أنسنة القرود الراقية. فاللغة
والتفكير
لا تخلقهما الطبيعة وانما المجتمع.
عندما
لا يكون هنالك "مجتمع" لا يكون "الفرد" ولا "اللغة"
ولا "التفكير" ولا "الإدراك".
[إلى
الأعلى]
6.
الدولة
الناس
الذين يعيشون سوية وينصاعون للقواعد التي يتفق عليها الجميع هم يكوّنون
"المجتمع".
ولكي نخترع هذه القواعد ("القوانين") وننفذها، ونفرضها، وندافع عنها،
أنشئت مؤسّسات خاصة تسمّى مجتمعةً "دولة". مركّبات الدولة المنتشرة في
الراهن هي:
أ. البرلمان:
مجموعة أشخاص مهمتها صياغة القوانين والسياسة، أي – اتخاذ
القرار حول ماذا يفعل
كل المجتمع.
ب. الحكومة:
لجنة مهمتها تنفيذ
القرارات التي اتخذها البرلمان.
ج. محاكم،
شرطة، وسجون: منظمات مهمتها فرض
القوانين.
د. جيش:
منظمة مهمتها الدفاع
عن المجتمع من عدو خارجي، أو مهاجمة
مجتمعات
أخرى.
لقد
تحدّدت فحوى القوانين بواسطة مقترحيها. إذا اقترحها فرد ما، فستكون متعلقة
بالقِيَم التي يمشي بحسبها هذا الفرد. وإذا اقترحتها مجموعة ما، فانها
ستكون
متعلقة بقِيَم الأكثريّة في المجموعة. وقد نسب الناس القوانين، في الماضي،
الى
الله. فالبقاء كان مرتبطا بتثبيت المجتمع وهذا كان مرتبطا بالقوانين
المقبولة على
الغالبية. وقد فهم الناس
أهمية القوانين
واعتقدوا ان الاله فقط يمكنه اختراعها. ولقد نحتت القوانين في الصخر لضمان
بقائها
(ولذا، فان صياغة قواعد سلوكيات المجتمع تسمّى بالعبرية "לחוקק"
[لِحوكيك] – من
"לחקוק"
[لحكوك]
(أي
النحت) بالحجر – فيما يسمّى القانون نفسه "חוק"
[حوق]
لأنّه "חקוק"
[حَقوق] (أي
محفور بالصخر).
لقد
روي في التوراة عن موسى الذي أخذ الوصايا العشر من يدي الرب في جبل سيناء.
وهذا
نموذج على الايمان بان القوانين تم اختراعها بواسطة الآلهة.
بحسب
التوراة، فان موسى حفرها على لوحين من حجر، لكنه أخذها من الرب.
كذلك
محمد – الذي كتب "القرآن" بنفسه – كان مقتنعا ان الرب
أملى عليه ما كتب.
فالاشخاص فقط هم الذين يخترعون القوانين.
موسى
– وليس الله – هو من اخترع الوصايا العشر، ومحمد
– وليس الله – هو من خلق القرآن.
ابناء حوّاء يخلقون قوانين وسياسة، وبامكانهم تغييرها.
وهنالك
قوانين مختلفة للمجتمعات المختلفة. يخلق أي مجتمع ويقوى بواسطة اولئك
الذين يعيشون
فيه والذين من حقّهم تغييره في أي وقت يرغبون.
إن
السؤال الأساس في السياسة هو: من
يقرّر
ماذا يفعل المجتمع؟ ولقد كان الجواب حتى قبل اربعمائة
سنة "الملك هو الذي يقرّر". لكن مواطنين كثيرين عارضوا قرارات الملك
وفضّلوا ان يقرروا بأنفسهم ماذا يفعل المجتمع كله. لم ترق هذه الفكرة لأي
ملك. وقد
حصلت مواجهات عنيفة بين الملوك والمواطنين. فقد طالب الملك بـ "القانون
والنظام" وشجب المواطنين كـ "مخالفين للنظام" و"لا قانون
لهم". في "القانون والنظام" قصد الملك قانونه هو ونظامه هو. وقد
أراد المواطنون "القانون والنظام" اللذين صنعوهما هم بأنفسهم. لم تكن
المواجهات بين الملوك والمواطنين مواجهات بين "القانون" و"غياب
القانون" أو "النظام" مقابل "عدم النظام". إنما مواجهة
بين "قانون الملك" مقابل "قانون المواطنين" و"نظام
الملك" مقابل "نظام المواطنين". في القرن السابع عشر ألغى مواطنو
إنجلترا النظام الملكي هناك وفي القرن الثامن عشر فعل المواطنون الفرنسيون
الأمر
ذاته. منذها نشأ نظام الممثّلين والأحزاب في العالم. في العام 1991 انهارت
أنظمة
الحكم في روسيا، بولندا، هنغاريا، وبلغاريا، التي فيها قررت فئة من زعامة
حزب واحد
ماذا يفعل المجتمع، فيما لم يستطع 99،99% من المواطنين التأثير بأي شكل
على هذه
القرارات. ولقد انهارت هذه الأنظمة لأن معظم اولئك الذين ولدوا وتثقفوا
فيها رفضوا
تأييدها. ويؤكد هذا ان السؤال "من يقرر في ماذا يفعل المجتمع" ما زال
مطروحا في الراهن.
ما
زالت فئة صغيرة من الممثّلين تقرّر حتى اليوم في جميع الدول ماذا يفعل
المجتمع.
وما
زال معظم المواطنين يوافقون على ذلك لانهم لم يفقهوا بعد ان التلفون
النقال،
والبطاقة الممغنطة، والتلفزيون والانترنت خلقت جميعها وضعا جديدا يستطيعون
فيه
بأنفسهم – وليس ممثّلوهم – أن يقرروا ماذا يفعل
المجتمع كله.
يسمّى
النظام الذي يشترك فيه جميع المواطنين في القرار ماذا يفعل المجتمع كله
"الديمقراطية المباشرة"
لأن جميع المواطنين يقررون –
مباشرة – (دون ممثلين وسطاء)
ماذا يفعل المجتمع كله. ويعارض مؤيّدو النظام التمثيلي الديمقراطية
المباشرة
ويدّعون انها "فوضى" و"غياب قانون".
بموجب
ماذا؟
إن
صلاحية الممثّل أن يمثّل الآخرين تعتمد على موافقة هؤلاء الذين يمثّلهم.
فإذا لم
يوافقوا على أن يمثّلهم فلا صلاحية له لأن يكون ممثّلا. لكن صلاحية الشخص
تمثيل
نفسه لا تتعلق بأي شخص.
يخضع
الممثلون لمن انتخبهم. بينما يخضع الناخبون لانفسهم فقط، وليس للآخرين.
الناخبون
هم مصدر صلاحية منتخبيهم.
"نظام
الممثّلين" هو مناف للديمقراطية
إذا اراد المواطنون
تمثيل
أنفسهم وأن يقرّروا بأنفسهم ماذا يفعل المجتمع كله.
ويثير
هذا سؤالا: "ما هي الديمقراطية"؟
[إلى
الأعلى]
7.
الديمقراطية
الـ
"ديموس-قراطية" ابتدعت في اثينا بواسطة كلايستنس (Cleisthenes) قبل
نحو 2500 عام. و"ديموس" في
اليونانية تعني "جميع الناس في الجمهور"، والكلمة "قراطوس"
تعني "قوّة"، أو "صلاحية للتقرير".
"ديموس-قراطية"
(ديموقراطية) هي "جمهور يشترك كل أعضائه في القرارات ماذا يفعل
الجمهور".
نجد
انفسنا اليوم مضطرّين لأن نطلق على نظام الحكم الاثيني إصطلاح
"الديمقراطية المباشرة"
لأن المصطلح "ديمقراطية" تحوّل ليشير الى المجتمع الذي فيه ممثلو
المواطنين – وليس المواطنون أنفسهم – يقررون ماذا
يفعل المجتمع.
في
الديموس-قراطية الأثينية، قرر جميع الرجال الأحرار البالغون (باستثناء
النساء
والعبيد) ماذا يفعل المجتمع كله. لم يكن هذا "نظام حكم بواسطة استفتاء
شعبي" يتوجّه الى المواطنين للتصويت على أسئلة صاغها آخرون. ففي اثينا
استطاع
أي مواطن أن يقترح قانونا وسياسة، للتباحث فيها وللتصويت عليها.
لم
يسمح للنساء والعبيد في العالم القديم كله ان يقترحوا ويصوتوا على سياسة.
انه
تقصير خطير، لكن في جميع المجتمعات القديمة الأخرى لم يسمح للرجال الأحرار
كذلك للتقرير
بالشؤون السياسية أو التشريع. فقط الملوك وشيوخ القبيلة قرروا ماذا يعمل
المجتمع.
وكانت الديموس – قراطية الأثينية فريدة بحيث أنها أتاحت لجميع
الرجال الأحرار
الإقتراح، التباحث، والتصويت.
ما
زلنا الى الراهن نقدّر الأهرام في مصر، لكن النظام الفرعوني لم يترك لنا
شيئا
عمليا اليوم. في مقابل ذلك، فان الديمقراطية الاثينية أورثتنا اسلوب
الاقناع
بواسطة المنطق، وأورثتنا المسرح، والتراجيديا والكوميديا، والفلسفة ومبادئ
الديموقراطية.
كل
هذا ما زال عمليًا في وقتنا الراهن. المطالبة بـ "الديموقراطية" ما زالت
قائمة، على رغم ان فحواها وشكلها قد تم تشويههما الى حدّ كبير.
في
الديموقراطية الأثينية ولدت فلسفات سقراط، أفلاطون وأرسطو. وفيها ولد
المسرح،
الدراما، التراجيديا، الكوميديا، مسرحيات إسخيلوس، سوفوكليس، أريسطوفانيس،
وطريقة
الإثبات بواسطة تبريرات منطقية. إننا نستعمل كل هذا حتى الراهن. وقد ولدت
في
الديموقراطية الأثينية – وبسببها. في إسبارطة –
البوليس المجاور لأثينا، قرر ملكان
ومجلس الشيوخ ماذا يفعل المجتمع كله، وهناك لم تولد أية فلسفة، أو مسرح،
أو
تراجيديا وكوميديا، حتى أن بوليس إسبارطة لم تخلف وراءها أبنية أو نقودا.
لماذا؟
لأن
الفلسفة، المسرح، والتراجيديا خلقت من خلال نقاشات عامة حول السؤال: ماذا
يجب على
المجتمع فعله؟ وفي الجدالات على الأجوبة المختلفة على هذا السؤال التي
دارت قبل
التصويت في الساحة المعروفة بـ "أغورا". هناك استطاع أي مواطن ان يعبر
علنا عن أفكاره. بل إنه كان لزاما التعبير عن وجهات النظر علنا في
المواضيع
المختلف عليها – حيث ان السكوت اعتبر مخالفة تستوجب العقاب
بموجب القانون. فقد
تجادل جميع المواطنين وصوّتوا مباشرة على كل اقتراح لقانون وعلى سياسة
أثينا.
لم
تكن هناك انتخابات في الديموقراطية الأثينية. فقد عَيَّن
المواطنون أشخاصا
لتنفيذ القرارات. وتمت هذه التعيينات بواسطة الــقــرعــة،
وليس عن طريق
الانتخابات. وأعطيت الوظائف لعام واحد فقط. حيث لم يستطع أحد ان يبقى في
وظيفته
لعامين متتاليين. ففي كل عام عيّنوا أشخاصا جددا في قرعات جديدة. فيما كان
لزاما
على اولئك الذين أنهوا مهمتهم ان يقدّموا جرد حساب عن أعمالهم –
وحوسبوا على
تقصيراتهم.
تعيين
موظّفين عن طريق الــقــرعــة
منع فسادا وتكوّن طبقة
عليا وألغى المنافسة
السياسية.
كل
هذا يختلف في جوهره عمّا يسمّى اليوم "ديموقراطية".
فـ"الديموقراطية"
اليوم تعني نظام حكم تقرر فيه قلّة من الأشخاص بدل الآخرين ماذا يفعل
المجتمع كله.
وهذا يخالف المعنى الأصلي لـ "الديموقراطية" التي يقرر فيها المواطنون
أنفسهم – وليس ممثّلون عنهم – ماذا يفعل المجتمع كله.
الديموقراطية
ليست "حرية التعبير" أو "انتخابات حرّة"، إذ أنهما على رغم
أهميتهما، لا تشكّلان حكم الجمهور. فقط نظام
حكم يقرر فيه جميع المواطنين في كل قانون وسياسة يعتبر "ديموقراطية".
الديموقراطية
الحقيقية هي سياسة بدون سياسيين.
هذا
هو المفهوم الأصلي للديموس – قراطية كما ابتدعتها أثينا.
[إلى
الأعلى]
8.
الحريّة
"الحرية"
هي حالة يعيش فيها الشخص بحسب قرارات هو الذي اتخذها بذاته.
الفرد
– أو المجموعة – الذي يعيش بحسب قرارات اتخذها هو
بنفسه هو "حرّ".
والذي
يعيش – مدركا أو غير مدرك – بموجب قرارات الآخرين ليس
حرّا.
الحريّة
المطلقة ليست ممكنة في المجتمع. إنها ممكنة فقط عندما يعيش الشخص
– برغبته –
منعزلا عن البشر.
يضطر
من يعيش مع آخرين في بعض الأحيان أن يتقبل قراراتهم، والحدّ من قراراته
بشكل لا
يمسّ الآخرين. حتى أن هناك إختلافا في وجهات النظر بين اثنين يعيشان معا،
حيث يضطر
كل واحد منهما في بعض الأحيان أن يقبل بقرارات الآخر.
إذا
تقبل الشخص نفسه دائما قرارات الآخر، فهو "مضطهَد" من الآخر. لكن إذا
تبدّلا في تقبّل قرارات الآخرين، فانهما يحدّدان حريتهما –
بإرادتهما – من أجل
العيش معا. يحدث هذا في معظم العائلات، المجموعات، المدن والمجتمعات.
يوافق
الافراد على الانصياع الى قرارات الآخرين إذا كان الآخرون من جهتهم
يوافقون على
قراراتهم. إذا كان الشخص ذاته أو الجمهور نفسـه ينصـاع دائمـا لقرارات
الآخرين
فإنه يعـاني مـن إضطهـاد. ليست هنالك أية إمكانيـة لحريـة مطلقة لأي فرد
في
المجموعة ، حتى ولا في أصغر كومونـة فوضويّـة ثائرة على النظـام القـائم.
يفضّل
معظم الاشخاص العيش في مجموعات كالعائلة، القبيلة، المجتمع، بحريّة جزئية
وليست
مطلقة. مع ذلك، هنالك درجات مختلفة للحريّة الجزئيّة. العيش بموجب قرارات
حكّام تم
انتخابهم يمنح الأشخاص حريّة أكثر من العيش بموجب قرارات حكّام لم
ينتخبوا، حيث
أنه يمكن للرعايا ان يقرّروا من يقرّر لهم على الأقل. لكن من يعيش تحت
حكّام هو
نفسه من اختارهم فإن حريّته تكون أقل من ذاك الذي يعيش بموجب قرارات كان
شريكا هو
نفسه في اتخاذها. ان المجتمع الذي يستطيع فيه أي مواطن أن يقترح، يناقش
ويصوّت على
أي قرار يتعلق بالمجتمع كلّه هو مجتمع يتحكّم بذاته. الأكثريّة
– التي قبلت
قراراتها – تعيش وفق قراراتها ولذا فهي حرّة. فيما
الأقلّية
مجبرة على الانصياع لقرارات الاغلبية ولذا فهي
ليست حرّة،
لكن إذا توفرت لها إمكانية أن تتحوّل الى أغلبيـة، فهي ليست مضطهـدة.
هنـالك
للمواطنيـن في نظام حكم كهذا حرية أكثر بما لا يقـاس من حريّة اولئك الذين
يعيشون
في مجتمع تقرّر فيه قلّة من الممثّلين في أي قانون وسياسة.
"سياسة
بدون سياسيين" (الديمقراطية المباشرة) تتيح مستوى الحريّة الأعلى الممكنة
في
أي مجتمع. انها ليست حريّة مطلقة حيث أن الاقلية تعيش بحسب قرارات
الاغلبية وهي
ليست حرّة. لكن تلك الأقلية في الشأن الواحد تستطيع أن تصبح أكثريّة في
شأن آخر.
الأقليّة التي لا تمنع من نشر أفكارها والتحوّل الى أكثريّة فإنها لا تعيش
في
اضطهاد. لكن الاقلية التي يمنعونها بواسطة قوانين – أو أنهم
يحدّدون قدرتها – من
نشر أفكارها، فإنها تعيش تحت ظل اضطهاد. لكن ما دامت تستطيع أن تنشر
أفكارها وان
تتحوّل الى أكثريّة فهي لا تعاني من اضطهاد. يجب على الديمقراطية المباشرة
أن تتيح
لايّة اقليّة أن تنشر أفكارها، حتى لو أن الأغلبية عارضتها. نظام حكم كهذا
يشجّع
نقاشات علنية على أسئلة سياسيّة، ويزيد من اهتمام المواطنين بالمجتمع.
فهذا يقضي
على اللامبالاة، الضجر والكبت لدى معظم الاشخاص الذين يعيشون اليوم في
نظام حكم
تقرّر فيه قلّة من الأشخاص في أي أمر يتعلّق بالمجتمع.
[إلى
الأعلى]
9.
المساواة
السياسية
صرّح
إعلان إستقلال الولايات المتحدة : "نفترض كأمر مفروغ منه أن البشر خلقوا
متساوين". وقد جاء في الأصل الانجليزي: "We
hold these
truths to be self-evident, that all men are created equal.”
لكن
ماذا عن النساء؟
هل هن أيضا "خلقن مساويات" للرجال؟
هل
يوجد في العموم مخلوقان أيا كانا قد خلقا
متساويين؟
ولأنه
لا يوجد أي مخلوقين قد "خلقا
متساويين"، فان الاعلان
يناقض
الحقائق البيولوجية. فأي "مساواة" قصد واضعو الاعلان؟ هل قصدوا مساواة
بيولوجية؟ مساواة أمام القانون؟ مساواة اقتصادية؟ مساواة سياسية؟ فكل
مساواة كهذه
هي أمر مختلف. يبدو انهم قصدوا مساواة أمام القانون – أي، أنه
يجب تطبيق القوانين
بشكل متساو على جميع الناس، دون اعتبار لفوارق الأصل، العرق، الجنس،
الدين، الوضع
الاقتصادي أو القوّة، بشكل لا يبقي أي شخص لا يطبّق عليه القانون. عندما
تجاوز
الرئيس نيكسون القانون في العام 1974 (في أثر فضيحة ووترغيت) فقد تمّت
إطاحته. وقد
جسّد هذا المساواة أمام القانون وبرهن أنه حتى رئيس الولايات المتحدة لا
يقف فوق
القانون.
كل
هذا هو مساواة في تطبيق
القوانين، لكن ماذا بشأن المساواة في الصلاحية
لتشريع
القوانين؟ هل يملك جميع المواطنين صلاحية
متساوية للاقتراح،
والنقاش والتصويت على كل قانون؟ بالطبع لا! فقليلون هم المواطنون الذين
يملكون
صلاحية للاقتراح –وللتصويت – على القوانين والسياسة.
اولئك
الذين يملكون اليوم هذه الصلاحية ليسوا خبراء في القانون وانما هم
سياسيّون.
إن
المساواة في تطبيق القانون هي أمر هام، لكن المساواة في تحديد القوانين هي
أمر
أكثر أهميّة. فالصلاحية لتحديد القوانين والسياسة هي صلاحية لتحديد قوانين
يجب على
جميع المواطنين الانصياع لها.
يجب
أن تكون لكل مواطن صلاحية لتحديد أي القوانين يحتاجها المجتمع. فبالتالي
هدف
القانون هو تحسين حياة المواطنين. فهل اولئك الذين تحتاج حيواتهم الى
تحسين لا
يستحقّون ان يقرّروا بانفسهم كيف يفعلون هذا. الجواب لا على ما يبدو، حيث
لا يوجد
اليوم أي مجتمع يتاح فيه لكل المواطنين ان يقترحوا، ويناقشوا ويصوّتوا على
كل
قانون وسياسة.
يحدّد مبدأ
المساواة
السياسية انه على رغم عدم وجود
مواطنين
اثنين متشابهين في
شيء، فان للجميع الصلاحية للاقتراح والتصويت
على كل
قانون وسياسة في مجتمعهم. فقط اولئك الذين
يملكون هذه
المساواة يعيشون بموجب قراراتهم – وهم أحرار.عندما تكون لجميع
المواطنين صلاحية
متساوية لوضع القوانين، فانهم يستطيعون ان يشرّعوا أنواعا أخرى من
المساواة.
انهم
يستطيعون ان يقرّروا ماذا تكون جميع قوانين المجتمع، بما فيها انماط
مساواة اخرى.
يجب
تطبيق مبدأ المساواة السياسية في كل مجموعة، عائلة، قبيلة، شعب، جيش، مكان
العمل،
المدرسة، وفي المجتمع ذاته. يحدّد هذا المبدأ الحق لكل عضو\ة في المجموعة
أن
يقترح، ويناقش ويصوّت على أي قرار للمجموعة. يتقبل البعض المبدأ كأمر
مفروغ منه.
آخرون يفضّلون الموت على تقبّله. وهم يعارضون تطبيقه
في المجتمع
بمجمله – لكن أكثر من ذلك في
العائلة، والمدرسة ومكان
العمل. يلغي قانون المساواة السياسية الحكم والتحكّم في أي مجال في
المجتمع،
والعائلات ، والمدارس، وأماكن العمل، والنقابات المهنية والأحزاب
السياسية. فهو
يساوي ما بين حقوق وواجبات "القادة" و"المقتادين"، الحكّام
والمحكومين.
لن
تقبل أي قيادة لحزب سياسي أيّا كان، "يمينيا" أو "يساريّا"،
ان تكون لكل أعضاء الحزب صلاحية متساوية للاقتراح والبحث والتصويت على كل
سياسة
حزبهم.
يدّعي
"ديمقراطيون" كثر أن مبدأ المساواة السياسية يبالغ في تطبيق
الديمقراطية، ويدينونه كـ "شعبوية" (Populism).
إنهم
يشوّهون معنى الديمقراطية الاصلي ويلغونه على أنه "قديم" أو "غير
واقعي". وتتفجّر دعاية هستيريّة ضد مبدأ المساواة السياسيّة عندما يطرح
مطلب
لتطبيقه. وتكون معارضة مبدأ المساواة السياسية عريضة وعميقة أكثر كثيرا من
المعارضة للاشتراكيّة ، الهرميّة والنسويّة. ويعارضه الاشتراكيّون أكثر
من الارستقراطيّين،
حيث يدّعون أن ما هو
مهم فعلا هو مبدأ المساواة الاقتصادية، وليس السياسيّة. ويتجاهل
الاشتراكيون حقيقة
انه في جميع الدول التي اعتمدت على المساواة الاقتصادية (الاتحاد
السوفييتي وجميع
دول "الكتلة الشرقيّة" في الماضي)، قرّرت قلّة من موظّفي الحزب في كلّ
شيء عن المجموع فيما 99،99% من المواطنين كانوا منزوعي أيّة صلاحية
للتقرير في أي
شيء، حتى في من يقرّر بدلا عنهم. لا غرابة في ان هذه الأنظمة سقطت دون
إراقة دماء.
فقليلون من مواطني هذه الانظمة انبروا للدفاع عنها من هذا الانهيار على
رغم انه تم
تثقيفهم لفعل هذا على مدى ثلاثة اجيال. ظنّ الكثيرون ان إلغاء عدم
المساواة الاقتصادية
يلغي الاضطهاد والاستغلال، لكن في أنظمة حكم المساواة الاقتصادية نشأ نظام
حكم
مؤسّس على عدم مساواة سياسية خلقت اضطهادا واستغلالا أشد سوءا منه في
انظمة الحكم
المؤسّسة على عدم مساواة اقتصادية.
معظم
اولئك الذين ولدوا وتثقّفوا في أنظمة حكم المساواة الاقتصادية فضّلوا
العيش في عدم
مساواة اقتصادية على العيش في عدم مساواة سياسية.
ان
انهيار الاتحاد السوفييتي لهو إثبات تاريخي على ان المساواة الاقتصادية
أقلّ
أهميّة من المساواة السياسية – ولا تستطيع أن تنتجها، فقط
المساواة السياسية
يمكنها خلق أي مساواة أخرى ولذا فهي أفضل من أية مساواة أخرى.
يدعي
معارضو المساواة السياسية ان المواطنين لا يملكون المعرفة اللازمة لفهم
القوانين
التي يصوتون عليها. لكن هذا صحيح فيما يتعلق بالسياسيين الذين يصوتون على
القوانين
في الراهن. حيث ان معظمهم ليسوا خبراء في القوانين ورغم ذلك يتباحثون
ويقررون في
اقتراحات القوانين واقتراحات السياسة.
انهم
يستمعون الى خبراء يوضحون لهم ابعاد القانون او السياسة المقترحة، وعندها
يقررون
بموجب الأفضلية وبموجب قيمهم. يستطيع كل مواطن ان يفعل الامر نفسه. يستطيع
المواطنون
ان يشاهدوا التلفزيون في ندوة لخبراء يوضحون ماهية القانون او السياسة
المقترحة،
وعندها يصوتون معها او ضدها. اذا كان للقانون او السياسة، أيًا كانت،
نتائج سلبية
لم يتم توقعها مسبقًا يستطيع المواطنون ان يلغوها متى رغبوا بذلك. جميع
المشاركين
في الندوة يتم تعيينهم بموجب الــقــرعــة
ويتم
تغييرهم بشكلٍ ثابت.
[إلى
الأعلى]
10.
الأحزاب
الحزب
هو تنظيم لأشخاص لغرض نشر فكرة سياسية. الحزب ليس من مكوّنات الدولة.
ينتظم
المواطنون الراغبون في نشر فكرة سياسية في حزب
لغرض نشر
الفكرة. يمكن لأي دولة ان تقوم بمهامّها من دون
أحزاب.
يحتاج
الحزب الكبير الى اشخاص لإدارة مكاتبه، ولنشر رؤيته، ولتنظيم لقاءات
ونقاشات، وجمع
التبرّعات، وإقامة فروع جديدة للحزب والمحافظة على تواصل دائم بين أعضاء
الحزب.
ولتنفيذ هذا، فإن الحزب يلجأ الى استخدام عاملين بوظائف كاملة. يسمّى
هؤلاء بأسماء
مختلفة – موظّفون، سكرتيرون/ات، دواوينيون، كلها مجرد تسميات.
الإسم ليس مهمّا؛ المهم
أن هؤلاء الناس يعتاشون من إدارة الحزب ويتحكّمون به. يقرّر الموظفون ماذا
يفعل
الحزب، وكيف يتم فعل الأمر. وهم يقرّرون أيضا في التعيينات في الحزب.
ويهتمّ
أكثرهم الى وظائفهم في الحزب أكثر من اهتمامهم بسياسة الحزب.
لكل
حزب سياسته، لكن من الممكن ان تكون هنالك صيغ مختلفة للسياسة ذاتها. في
معظم
الأحزاب، تؤيّد مجموعات مختلفة صيغا مختلفة لسياسة الحزب. عندما يحظى حزب
معين
بالغالبية في الانتخابات – التي لا يشارك فيها الكثير من
المواطنين – فانه يباشر
بإدارة الدولة. يتحوّل رئيس الحزب الى رئيس دولة أو رئيس حكومة، ويتحوّل
زعماء
الحزب الى وزراء في الحكومة ويستغلّون وظائفهم الحكومية من اجل تطبيق
سياسة الحزب.
هكذا تعمل معظم الدول "الديمقراطية". هذا يتعارض مع مبدأ الديمقراطية
الأساسي الذي يقول بأن لكل مواطن الحق بالمشاركة في تحديد أي قانون وأيّة
سياسة.
ويتعارض هذا، أيضا، مع المبدأ الديمقراطي في تعيين متّخذي القرار بحسب
القرعة فقط.
إن
نظام الحكم الحزبي ليس ديمقراطيا حيث أنه في الـ "ديموس–قراطية"
يقرّر
المواطنون أنفسهم – وليس موظّفو الحزب – في كل سياسة.
والذي يسمّى اليوم
"ديمقراطية" ما هو الا حكم ممثّلي
المواطنين وليس حكم المواطنين أنفسهم.
في
الديمقراطية الحقيقية لا يوجد ممثّلون
يقرّرون
سياسة المجتمع. ففي الديمقراطية يقرّر أعضاء الحزب ماذا تكون سياسة حزبهم
فقط، فهم لا يقرّرون ماذا تكون سياسة المجتمع كلّه. ويستطيع الحزب أن يقترح
على المواطنين ماذا يقرّرون لكن لا يجوز له أن يقرّر
بدلا عنهم ماذا يفعل المجتمع كلّه.
إن
الحزب الذي يوصي
بسياسة معيّنة يفيد الديمقراطية، لكن
الحزب الذي يقرّر
سياسة نيابة عن المواطنين هو
بوضوح ضد الديمقراطية.
بعد
الحرب العالمية الثانية، تدهورت جميع الاحزاب في العالم بمفهومين:
1.
تحوّلت
السيطرة فيها من
المفكّرين الى موظفين يديرونها.
2.
بدأت
الأحزاب تطمح للوصول الى
الحكم لغرض تقدّم أعضائها، وليس تقدّم المجتمع.
في
معظم البلدان اليوم، يدير موظّفو الأحزاب السياسة (والأحزاب) لصالحهم،
وليس لمصلحة
جميع المواطنين.
يفكر
كثيرون أن هذا "طبيعي".
في
الديمقراطية المباشرة، يقرّر جميع
أعضاء الحزب
ماذا يفعل حزبهم
وليس ماذا تفعل دولتهم.
[إلى
الأعلى]
11.
الديمقراطية
المباشرة
هنالك
مهمّتان لـ "السياسة":
1. أن
تقرّر ماذا يفعل
المجتمع كلّه.
2. تنفيذ
هذه القرارات.
يملك
كل مواطن في الديمقراطية المباشرة الصلاحية للاشتراك في المهمّة الأولى،
أن يطرح
اقتراحات قرار، وأن يتناقش فيها ويصوّت لأجلها. إن النقاش العلني على
مسألة: ماذا
يجب على المجتمع أن يفعل؟ هو لب الديمقراطية المباشرة.
لقد
حفّز هذا النقاش في أثينا أشخاصا لخلق فلسفة (تفكير نقدي على التفكير)
لإختراع
المسرح، التراجيديا، الكوميديا، ولإقناع الناس بواسطة تفكير منطقي وليس
بسبب
الصلاحية.
إن
النقاشات الجماهيرية على السياسة هي حقيقية فقط إذا استطاع جميع المواطنين
المشاركة فيها. كيف يستطيع ملايين المواطنين فعل هذا؟
يتم
ذلك في الراهن – عن طريق النقاش في التلفزيون، التصويت عن طريق
التلفونات
الجوّالة، البطاقات الممغنطة، وفي شاشات اللمس والإنترنت.
في
أثينا القديمة، تباحث المواطنون عن السياسة في سوق سمّي "أغورا".
ألأغورا الحديثة هي التلفزيون، الذي يستطيع فيه كل مواطن أن يتحدّث الى
ملايين
المواطنين الآخرين. في الديمقراطية المباشرة، يتم تخصيص قناة تلفزيونية
لكل مجال
في المجتمع (صحّة، تربية، صناعة، اقتصاد الخ..) تعمل على مدار اليوم وكل
السنة.
يظهر في القناة طاقم من الخبراء الذين يتباحثون في الموضوع. يجب على أعضاء
الطاقم
أن يكونوا ملمّين وأصحاب خبرة في موضوع البحث.
ويجيبون
على تساؤلات الجمهور الهاتفيّة. ويشرحون
الجوانب المختلفة
لكل اقتراح.
يتم
تعيين أعضاء الطاقم بالــقــرعــة
(بدون انتخابات) من
خلال قائمة لكل
الخبراء في الموضوع. ويتم تبديل أعضاء الطاقم بشكل ثابت، على أن لا يبقى
عضو
الطاقم لفترتين متتاليتين. منح أعضاء الطاقم منفعة هو جريمة يعاقب عليها
القانون.
تعرض
القناة التلفزيونية قائمة اقتراحات قرار، فيما يتباحث الطاقم في حسنات
وسيئات كل
منها. ويستطيع المشاهدون أن يتّصلوا في أي وقت للسؤال، أو الإنتقاد أو
لطرح
اقتراحات. يخصص وقت لكل اقتراح (يتم تحديده بواسطة قانون). عندما ينقضي
هذا الوقت
يتم طرح الاقتراح للتصويت عليه. يتم تخصيص وقت يحدّد سلفا للجمهور كي
يتناقشوا
(وليصوّتوا) على كل اقتراح. الاقتراح الذي يحظى بعدد الأصوات اللازم، يتم
تقديمه
الى الحلقة الثانية من النقاش والتصويت. اقتراح القرار الذي يحظى بالعدد
المطلوب
من الاصوات في الدورة الثانية، يتحوّل الى سياسة رسميّة. إذا طلب
المواطنون تصويتا
ثالثا، يتم تقديم الاقتراح الى دورة ثالثة للبحث والتصويت. كل هذا هو في
إطار
الاقتراح. هنالك مكان لاقتراحات مختلفة لتحقيق الفكرة.
إن
النقاشات العامة على اقتراحات القرارات، التي تقام بمشاركة ملايين
الاشخاص، هي
ممكنة في الراهن. وعندما يتم تنفيذ "سياسة بدون سياسيين" سيضطر جميع
المواطنين أن يصيغوا قواعد لإدارة الحكم.
ستبرز
مشاكل غير متوقّعة، لكن "عندما تتوفّر الإرادة – يتوفّر
الطريق". خصوصا
بمساعدة التلفزيون، التلفونات النقّالة، البطاقة الممغنطة، شاشة اللمس
وشبكة
الإنترنت. فقد أضحى الملايين اليوم يستعينون بشبكة الإنترنت للتباحث
والتصويت في
الاستطلاعات المختلفة وللرد على معلومات مختلفة. وتمكّن التكنولوجيا
الالكترونية
اليوم كل مواطن لأن يشارك في النقاش ماذا يفعل المجتمع كله ولان يقرر في
أية
تكنولوجيا سيستعين وكيف. حاليا، يكفي أن ندرك أن استعمال الاعلام
الالكتروني يتيح
اقامة نظام حكم يستطيع فيه كل مواطن ان يقترح، وأن يناقش ويصوّت على أي
اقتراح
قانون وسياسة. تجري هذه النقاشات في الراهن: في منتديات في شبكة الانترنت،
في
برامج إذاعيّّّة لـ "مستمعون لمستمعين"، في "مؤتمرات
مواطنين"، في لقاءات عامّة. السؤال هو كيف نحوّل النقاشات الى مستوى سياسي
–
في المسائل المتعلّقة بالدولة كلّها – والتصويت عليها.
عندما
يقرّر المواطنون ماذا تكون السياسة، يتم الاقتراع على رجال الطاقم الذي
سينفّذها.
لكل سياسة – طاقم تنفيذ لها. يتم الاقتراع على اعضاء الطواقم من
خلال قوائم لخبراء
في موضوع القرار. ويتم تغييرهم بشكل ثابت. ويتم التحقيق في الشكاوى عن عدم
نجاعتهم
أو فسادهم، وتتم المعاقبة في حالة الفساد. على اية حال، فإن مهمّة طاقم
التنفيذ هي
أن يقرّر كيف يتم تنفيذ القرار، وليس ما هو مضمون القرار.
[إلى
الأعلى]
12. الديموقراطية
المباشرة في
أماكن العمل
ان
استعمال التلفزيون أو أي وسيلة اتصال اخرى من اجل اتخاذ القرارات قد يطرح
السؤال: من
الذي يقرر ماذا نشاهد في التلفزيون؟
والذي
يقوم بهذا يستطيع المناورة بكل ما يتعلق بالنقاش والتصويت.
وهذا
يطرح سؤالا اضافيا:
من
الذي يقرر ماذا نفعل في أي مكان
عمل، وليس فقط في
التلفزيون؟
تقدم
الديمقراطية المباشرة اجابة واضحة: طالما لم تقم أغلبية المواطنين باتخاذ
قرار
مختلف، فلكل العاملين في أي مكان عمل حق التصويت، النقاش، واتخاذ كل
القرارات فيما
يخص كل ما هو متعلق بمكان عملهم.
الاجابة
على الجدال بين مؤيدي "الخصخصة" وبين مؤيدي "التأميم" هي:
لا
"خصخصة" ولا "تأميم" انما ديمقراطية مباشرة في كل أماكن
العمل.
لأن
المشكلة الحقيقية ليست "خصخصة" او "تأميم" شركة الكهرباء،
القطارات، البريد وغيرها، كما يعرض الأمر مناصرو الملكيّة الفرديّة أو
المُلكية
الحكومية ، المشكلة الحقيقية في دمقرطة سيرورة العمل.
الصراع
الحقيقي هو حول حق كل عامل في الاقتراح، النقاش والتصويت، في كل قرار يخص
عمله.
عندما
يكون لكل عامل/ة الحق في ان يقترح اي اقتراح لقرار ما، مناقشته والتصويت
عليه،
يتحول العمل الى امر مثير، ناجع واكثر متعة. يقوم العاملون بتخصيص جزء من
وقتهم من
اجل ادارة مكان عملهم، وليس فقط من اجل العمل ذاته. عندما يتم اتخاذ
القرارات في
كل اماكن العمل بشكل مباشر بواسطة العمال، عندها يتم تخصيص جزء من ساعات
العمل
اليومية للنقاشات والتصويت.
اذا
قرر العمال تعيين مختصين من اجل تنفيذ القرارات، فإن التعيين يتم بالقرعة
ويبقى
للعاملين الحق في الغاء اي تعيين في اي وقت.
يدعي
الكثيرون ان الديمقراطية المباشرة في مكان العمل هي "غير ممكنة". لكن
علينا أن نسأل, هل هي مرغوبة من ناحيتهم؟ اذا كان الرد ايجابيا، إذن
امكانية بناء
الديمقراطية المباشرة موجودة. في مكان العمل الذي تسود فيه ديمقراطية
مباشرة لا
حاجة الى مدراء من الخارج او نقابة مهنية. حيث لا حاجة الى نقابة تمثل
العمال لان
العمال يمثلون انفسهم. لا حاجة الى مدراء من الخارج لان العمال يعينون
مدراء من
بينهم. "الادارة" تعني "اتخاذ القرار". عندما
يقوم كل
العاملين باتخاذ كل القرارات
فيما يتعلق بعملهم، فهم عمليًا "يديرون" عملهم. هذا الوضع سيخفض تكاليف
الانتاج بشكل كبير، ويضع حدًا لنـزاعات العمل لأن العمال لن يعارضوا
القرارات التي
اتخذوها بانفسهم.
في
اماكن العمل الصغيرة، من الممكن اجراء نقاشات وتصويت برفع اليد.
واذا
كان الحديث عن آلاف العمال، فبالامكان استعمال الاتصالات الالكترونية.
منذ
اليوم نجد لكل مكان عمل موقعا على الانترنت، وفي اماكن العمل الكبيرة
هنالك شبكات
داخلية للبريد الالكتروني يتم التراسل عبرها بين العمال. في كل مكان عمل
هنالك
منشورات داخلية توزع للعمال، وفي كثير من اماكن العمل يستعملون البطاقات
المغناطيسية من اجل تحديد ساعة وصول العمال وخروجهم. في كل أماكن العمل
نجد اليوم
هواتف خليوية، تلفزيونات، اجهزة تلفون متطورة وغيرها. يمكن استعمال هذه
الوسائل من
اجل تنفيذ الديمقراطية المباشرة في مكان العمل.
لماذا
يستعمل العامل البطاقة الممغنطة من اجل الإخبار عن ساعات عمله لا من اجل
التصويت
على قرار يخص عمله؟
[إلى
الأعلى]
13. ديموقراطية
مباشرة في أجهزة
التعليم
لا
توجد، في وقتنا الراهن، صلاحية للطلاب، للأهل، ولمعظم المعلمين للتأثير
على مضمون
وشكل تقديم المادة التي يتم تعليمها. هذا يخلق الملل، التكرار والاحباط.
يجب على
التعليم ان يثير التفكير الانتقادي، الفضول والابداع. اسلوب التربية
الحالي المؤسس
على تكديس المعلومات في الذاكرة صار اسلوبا قديما لأنه في أي لحظة يمكن
التوجه الى
الانترنت والحصول على معلومات في اي موضوع. الاكثر اهمية اليوم هو تطوير
فضول
انتقادي وابداعي لدى الطالب بدل ان نكدّس المعلومات في ذاكرته.
منذ
اليوم، تقوم جامعات كثيرة بالانتقال الى التدريس بواسطة الحوسبة: يستطيع
الطلاب
مشاهدة الدرس والاصغاء اليه في بيتهم في الوقت الذي يريحهم، بواسطة
البرامج،
والاستماع الى ملفات سماعية، او مشاهدة ملفات فيديو بواسطة شبكة الانترنت.
لكن ما
زال اسلوب التربية يجبر الطلاب على ابتلاع ما يعلمونه لهم بدلا من تشجيع
الانتقاد
والابداع لديهم.
تقوم
الديمقراطية المباشرة في أجهزة التعليم على لقاءات بين المعلمين، الأهل
والطلاب في
المدرسة، وعلى لقاءات بين الطلاب والمحاضرين في مؤسسات التعليم العالي.
عندما يقوم
الجميع بالنقاش في هذه اللقاءات ويقررون مضمون وشكل التعليم، عندها يتغير
التعليم
كلية. نجد اليوم مدارس قليلة فقط تنهج هذا النهج، لكن نشاطها محلي وليس
شاملاً لكل
المجتمع. كثير من المحاضرين يدَرِّسون ما يُفرض عليهم، لا ما يثير الطلاب.
في جهاز
التربية القائم على الديمقراطية المباشرة سيكون هنالك عرض واسع من مواضيع
التعليم،
وتكون لدى الطلاب صلاحية لتقديم الانتقاد – والبدائل
– من اجل تحسين وتطوير
تعليمهم. سيستطيع المحاضرون بلورة برنامج التعليم سوية مع الطلاب. ان
التدريس
النابع من الاهتمامات، التفكير، الفضول، الانتقاد والابداع سيتحول الى
متعة للمحاضر،
المعلم والطالب. اشراك الطلاب في قرارات مضمون وشكل التعليم سيحول عملية
التعليم
الى عملية تثير الاهتمام والفضول والابداع. مجرد استعمال الديمقراطية
المباشرة في
التربية هو عامل تربوي لأن من يتربى على هذا الاسلوب سيتصرف هكذا ايضا في
المجتمع.
في
كل نظام تبلور طريقة التربية أسس تصرف المواطن.
تغير
الديمقراطية المباشرة في التربية العلاقات بين المعلم والطالب. ماهية
التعليم
اليوم هي تجميع معلومات موجودة. لكن في الواقع الراهن يتم انتاج معارف
جديدة في كل
لحظة. يستطيع الطلاب الصغار اليوم ان يعلموا معلميهم عن التجديدات
والاختراعات.
الكثير من المعلمين لا يعرفون ابدا استعمال الحاسوب البيتي من اجل طباعة
رسالة او
تصفح الانترنت – وهذا امر يعرفه معظم خريجي المدارس الابتدائية!
يقوم
الكثير من الطلاب اليوم بتعليم اهاليهم كيفية استعمال هاتفهم النقال. هذا
الوضع لم
يكن قائما ابدا في الماضي. الانترنت تفتح المجال لكل من يرغب في استعمال
خدماتها
من اجل التعليم، قراءة الاخبار، مراسلة الاصدقاء، نشر الآراء، التعارف،
المشتريات،
تلقي المعلومات عن حساب البنك والحصول على معلومات في كل موضوع، بدءًا من
الطب
وحتى تربية الحيوانات.
في
ايامنا هذه، لا نستطيع اعتبار الحاسوب النقال تجديدا كبيرا بشكل خاص، حيث
صار
بالامكان استعماله في كل مكان في العالم، في الطريق الى العمل، خلال زحمة
السير،
خلال السفر في القطار او في قاعة المحاضرات. استعمال اجهزة الحاسوب سيحرر
المعلمين
من روتين التعليم الممل ويمنحهم الوقت والفرصة لغرس التفكير الانتقادي
والابداعي
لدى طلابهم، وهو الامر الذي لا يستطيع الحاسوب القيام به.
اللقاءات
التي تتم وجها لوجه بين المعلم والطالب، او بين المحاضر والطالب، هي
لقاءات ذات
اهمية جديدة في هذه الايام. المعلم ليس مضطرا للقيام بكل ما يستطيع
الحاسوب فعله –
أي، نقل المعلومات. اليوم، يجب ان نتعلم كيف نتعامل
مع المعلومات.
على المعلم ان يعلم الطالب كيف يفكر بطريقة انتقادية وابداعية.
يجب
ان تتحول مونولوجات المعلمين الى حوار بين المعلمين وبين طلابهم.
تتطلب
تربية الطلاب صغار السن تدريبا للمعلمين. في الديمقراطية المباشرة، بدءًا
من جيل
الطفولة المبكرة، تقوم التربية بتعزيز استقلاليّة الطفل، وخاصة احترام
استقلاليّة
الآخر، بدلاً من الانضباط والطاعة.
تمرد
الطلاب على المعلمين هو، الى درجة كبيرة، محاولة للتمرد على قواعد السلوك،
القيم،
طرق السلوك والمبادئ التي غرسها المعلمون والاهل في الاولاد، والتي تأسست
على
الانضباط والطاعة وليس على الاقناع والقبول.
المعلمون،
الطلاب، والطلاب الصغار يستطيعون تحقيق الديمقراطية المباشرة في التربية
منذ
اليوم. هنالك صلاحية لكل مؤسسة تربوية أن تنفذ الديمقراطية المباشرة فيها
بدون
تدخل من الخارج. اذا أدّت الديمقراطية المباشرة في جهاز التربية الى نتائج
غير
مرغوبة، بالامكان تغيير هذا بواسطة اقتراحات قرارات جديدة، نقاشها
والتصويت عليها.
هذا جزء حيوي من سيرورة التعليم.
[إلى
الأعلى]
14. ديموقراطية
مباشرة في العائلة
في
معظم العائلات اليوم يقوم الرجل باتخاذ معظم القرارات الهامة، ومعظم
النساء
والاطفال يطيعونها حتى لو كانوا معارضين لها. لذلك فإن معظم النساء
والاطفال ليسوا
احرارا، لانهم لا يعيشون بحسب قراراتهم.
التقاليد
والدين يدعمان هذا النهج. الكثير من النساء تربين بحسب التقاليد والدين،
يوافقن
ويبررن هذا النهج رغم انه يسلبهن الحرية. طالما بقيت النساء مسلوبات من
الحرية
فالرجال ايضا لا يستطيعون ان يكونوا احرارا. انهم محكومون بطموحهم في
السيطرة.
عندما تقوم العلاقات بين الناس على السيطرة، يكون الانسان عندها إما حاكما
او
محكوما. هذا هو جهاز السيطرة.
يحاول
الكثيرون تغيير وضعهم داخل هذا الجهاز والتحول من محكوم الى متحكم.
وهذا
ما يثبت جهاز السيطرة ويبقيه على حاله صالحا وثابتا.
الصراع
ضد جهاز السيطرة لا يوجه ضد الرجال انما ضد السيطرة. اذا تحولت النساء الى
متحكمات، عندها ستتغير الادوار لكن لن يتغير جهاز السيطرة.
تحدث
لدى الكثيرين عملية ادمان على جهاز السيطرة – إما كمتحكمين او
كمحكومين. السيطرة
على الاولاد بواسطة أهلهم (في البيت، في الروضة، في المدرسة او في
الجامعة) هي جزء
من جهاز السيطرة. هذا الجهاز يقوم بتصميم شخصية مستعبدة لدى البشر تبحث عن
تعويض
عن كونها محكومة من
خلال محاولة سيطرتها
على الاخرين. وهذا ما يثبت جهاز السيطرة في العائلة – وفي
المجتمع. العائلات
المنظمة بحسب جهاز السيطرة تقوم بتصميم اطفالها ليكونوا مواطنين خانعين،
خاضعين
لسيادة المدراء، الخبراء، موظفي النقابة المهنية، السياسيين –
والدولة.
هؤلاء
الناس يريدون التحكم بالآخرين.
فقط
بعد إبطال جهاز السيطرة يصبح بالامكان الخروج من هذه الدائرة.
تقوم
الديمقراطية المباشرة باستبدال جهاز السيطرة بجهاز حكم ذاتي
("أوتونوميا") في العائلة، في التربية، في العمل وفي الدولة. كلمة
"اوتو" في اليونانية تعني "ذاتي"، وكلمة "نوموس"
تعني "قانون". إذن، كلمة "اوتو- نوميا" (حكم ذاتي) تعني ان
الانسان "يعيش حسب قوانين صنعها بذاته". في جهاز الحكم الذاتي هذا،
يتحكم الانسان بنفسه فقط، ويقوم بهذا من خلال احترام الحكم الذاتي لدى
الآخرين.
هذا الامر، في نطاق العائلة، يعني ان الاهل يحترمون – ويقوم
بتنمية – الحكم الذاتي
لدى الشريك، وايضا لدى الاطفال. ولا يعني الامر ان باستطاعة الاطفال
القيام بكل ما
يرغبون به.
يقوم
الاهل بارشاد اطفالهم على احترام الحكم الذاتي لدى الاخرين –
لدى اهلهم، عائلتهم،
واصدقائهم.
احترام
الحكم الذاتي للآخر ليس امرا مولودا مع الانسان انما هو مكتسب. على
البالغين ذوي
التجربة في هذا الأمر القيام بارشاد اطفالهم ليكونوا ذوي حكم ذاتي (مستوى
الارشاد
متعلق بتجربة الطفل).
عمليّة
الارشاد عليها ان تمتنع عن السيطرة.
على عمليّة الارشاد ان تضع
الحدود لرغبة الطفل وان تنمي لديه القدرة على اتخاذ القرارات داخل هذه
الحدود.
تنمية الحكم الذاتي للطفل وقدرته على احترام استقلالية الآخرين سيخلق
اناسا
مسؤولين ذوي تفضيل للانسان في المركز، قادرين على تأسيس –
وتحقيق – مجتمع تتم
ادارته بواسطة مواطنيه من اجل مصلحة المجتمع والبشرية.
[إلى
الأعلى]
15. القواعد
الاساسية للديموقراطية
المباشرة
لكل
نظام حكم هنالك قواعد اساس تتم بحسبها ادارته. تسمى هذه القواعد
"دستورا". قواعد الاساس للديمقراطية المباشرة هي دستورها. وبالامكان
تغيير الدستور ايضا في اي وقت، لكن هذا يتطلب أغلبية متميّزة (مثلا، 80%
من
المواطنين). إن هذا مطلوب من اجل حماية الدستور من تغييرات عشوائية او
متسرعة،
ولكي يبقى ثابتًا. مواطنو الديمقراطية المباشرة هم فقط من يملك الصلاحية
لتقرير
دستورها، لكن اولئك الذين يعملون من اجل تحقيق الديمقراطية المباشرة اليوم
يستطيعون اقتراح الأسس التي من الجدير بمواطني الديمقراطية المباشرة اخذها
بعين
الاعتبار لدى قيامهم بصياغة الدستور.
تقوم
الديمقراطية المباشرة على المساواة السياسية بين مواطنيها بدون علاقة
لفوارق
الجنس، الاصل، ووجهة النظر. مساواة
سياسية تعني ان لكل مواطن
الحق في كل لحظة
باقتراح ونقاش كل قرار متعلق بالمجتمع كله، والتصويت عليه.
القيمة
العليا في الديمقراطية المباشرة هي كون الانسان في المركز (لمصلحة
الانسان).
تنفي
الديمقراطية المباشرة التمركز الأنوي/الفردي (الأنانية الذاتية)، التمركز
العرقي
(الأنانية القومية)، والتمركز الديني (الأنانية الدينية). لان هذه الامور
تولد
النـزاعات المتواصلة.
على
دستور الديمقراطية المباشرة ان يمنع تحويل الديمقراطية المباشرة الى "ديكتاتورية
الأغلبية"
التي ستؤدي الى خلافات وتدمر الديمقراطية
المباشرة.
بالامكان
منع "ديكتاتورية الاغلبية" بواسطة خمسة أسس:
1. لكل
أقلية الحق في التعبير عن وجهات نظرها – حتى لو احتقرتها
الأغلبية. لا يحق لأي
أغلبية ان تلغي هذا الحق.
قد تكون هذه "الأقلية"
أقلية عرقية، سياسية، جنسية، دينية أو طائفية، بما في ذلك أقلية تعارض
الديمقراطية
المباشرة.
2. لكل
أقلية الحق
في فرض فيتو (حق النقض) على
قرارات معينة، لكن عليها أن تقترح تسوية بواسطة اقتراح قرار بديل لذلك
الذي فرضت
عليه الفيتو.
يقرر
كل المواطنين مسبقًا على أي القرارات يمكن فرض الفيتو.
3. في
حالات معينة
يمكن اعفاء الأقلية من واجب
انصياعها لقرارات معينة.
في حالة كهذه فإن من دعم القرار فقط
يجب عليه الانصياع له.
يقرر
كل المواطنين مسبقًا على أي القرارات يجب تطبيق هذا المبدأ.
4. يحدّد
الدستور أي
القرارات بحاجة الى أغلبية
عادية (من ضمن اولئك الذين صوتوا)، وأيا منها بحاجة إلى أغلبية متوسطة من
ضمن جميع
المواطنين، وأيها بحاجة إلى أغلبية متميّزة
(من ضمن كل
أصحاب حق التصويت). يتم اتخاذ القرارات المتميّزة فقط اذا صوّت لصالحها
60% أو
أكثر من ضمن كل المواطنين.
5. اذا
اقترحت نسبة
معينة من جمهور المواطنين
النقاش والتصويت على اقتراح قرار، يتم طرح هذا القرار للنقاش والتصويت
امام كل
المواطنين.
على
دستور الديمقراطية المباشرة ان يحمي كل اقلية من عدم اهتمام الأغلبية
بالأقلية.
على الاقلية ان تنصاع لقرارات الأغلبية لكنها تكون محمية من استعمال
قرارات
الأغلبية ضدها.
على
الدستور ان يمنع استعمال قرارات الأغلبية من أجل كبت الأقلية.
قرار
الاغلبية ليس كبتا اذا اتاح للاقلية نشر آرائها والعمل من اجل اتخاذ قرار
آخر يكون
مضمونه معارضا لمضمون القرار الذي تعارضه الأقلية. من يملك أغلبية في قرار
معين
عليه التفكير في كيفية ردة فعله لو أنه كان أقلية. كل هؤلاء الذين هم
أغلبية عليهم
التذكر بأنهم في المستقبل قد يكونون هم الأقلية وعليهم تقليص عدم راحة
الاقلية حتى
الحد الأدنى.
تقوم
روح الديمقراطية المباشرة على احترام استقلالية الآخرين، بما في ذلك اولئك
في
الأقلية، في مواضيع معينة.
من
المهم ان نفهم ان "الأغلبية"
لا تعني "الجيّد".
قرار
الأغلبية ليس بالضرورة قرارا جيدا. تنفيذه قد يؤدي الى نتائج غير مرغوبة
حتى
لاولئك الذين صوتوا له. في حالة كهذه يجب اجراء نقاش جديد حول المواضيع
واتخاذ
قرار آخر. يمكن للأغلبية ان تخطئ، وعلى رجالات الأغلبية، دائما، ان يأخذوا
بالحسبان احتمال ان يؤدّي قرارهم الى
نتائج لا يمكن تغييرها.
في
أي الأحوال، الشك الذاتي افضل من الثقة الذاتية المطلقة.
[إلى
الأعلى]
16. كيف
تعمل الديموقراطية
المباشرة
في
الديمقراطية المباشرة لا توجد حكومة، لا يوجد برلمان ولا توجد انتخابات.
كل
مواطن له الحق في كل لحظة ان يقترح، ان يناقش وان يصوّت، على أي قرار
متعلق بالمجتمع
كله. كل المواطنين هم "برلمان" وكل مواطن هو "عضو برلمان".
في
كل مجال في المجتمع، مثل الصحة، التربية، المالية، الزراعة، المواصلات
وغيرها، يتم
تخصيص قناة تلفزيونية تعمل على مدى اربع وعشرين ساعة كل يوم على مدار ايام
السنة
كلها. في كل قناة يكون هنالك طاقم من الخبراء في الموضوع الذي يتم بحثه.
يتم تعيين
أعضاء الطاقم بالــقــرعــة
من ضمن جميع اصحاب الخبرة
والمعرفة في موضوع
البحث ويتم تغييرهم بشكل ثابت. يقوم الطاقم بنقاش حسنات وسيئات كل اقتراح
تم طرحه
بواسطة كل مواطن. يتم
طرح الاقتراح لنقاش
الطاقم اذا دعمته نسبة 1% من المواطنين. يتم عرض قائمة الاقتراحات
المطروحة للنقاش
في القناة، ويستطيع المواطنون الاتصال تلفونيا وتشكيل الاغلبية المطلوبة
من اجل
نقاش الاقتراح. يتم نقاش كل اقتراح على مدى فترة زمنية محددة مسبقًا في
الدستور.
بعد النقـاش يجري التصويت على الاقتـراح. يتـم التصويت بواسـطة الهواتـف
النقالة،
اجهـزة الفاكس، البطاقات الممغنطة، او عبر الانترنت، بطرق تضمن اعلى حد من
السرية
وضمان عدم التزييف.
يتم
تقديم الاقتراح الذي يحصل على الاغلبية الى جولة ثانية من النقاش والتصويت
والى
جولة ثالثة – اذا كانت هنالك حاجة لذلك. اذا حظي الاقتراح
باغلبية عادية، فانه
يتحول في الجولة الثانية (أو الثالثة) الى سياسة رسمية، الا اذا كانت
هنالك حاجة
الى أغلبية متميّزة للتصديق عليه (مثلا، اقتراح تغيير في الدستور). كل
مواطن له
صوت واحد – أي حق تصويت لمرة واحدة على كل اقتراح قرار. يمنع
القانون التصويت بدل
الآخرين وايضا تقديم او تلقي رشاوى مقابل التصويت. التصويت ليس الزاما
انما هو حق،
لكن القرار يلزم الجميع – حتى اولئك الذين لم يصوتوا.
يستطيع
المواطنون الاتصال هاتفيا في اي وقت لاية قناة من اجل تقديم الاقتراحات،
الملاحظات، او طرح الاسئلة. يقوم اعضاء الطاقم بالاجابة واقتراح حلول
للمشاكل.
يستطيع
المواطنون جميعهم ان يقرروا لأي الاقتراحات مطلوب
اغلبية عادية من ضمن المصوتين، وأيها تتطلب اغلبية من ضمن الجمهور الذي له
حق
التصويت، او اغلبية متميّزة مشكلة من اكثر من نصف اصحاب حق التصويت.
لكل
مواطن الحق في تقديم اقتراح قرار، التصويت على كل اقتراح قرار وانتقاد كل
اقتراح
قرار.
بعد
اتخاذ القرار،
يتم تعيين طاقم من اجل تنفيذ
القرار. اعضاء هذا الطاقم يتم تعيينهم ايضا بالــقــرعــة
(من ضمن اولئك
الذين لديهم خبرة ومعرفة في الموضوع) ويبقون في وظيفتهم هذه سنة واحدة
فقط. بعد
سنة يتم تعيين طاقم جديد بواسطة قرعة جديدة.
وظيفة
طاقم التنفيذ هي اتخاذ كل الخطوات المطلوبة من اجل تنفيذ قرار اغلبية
المواطنين.
تعيين بالــقــرعــة
يمنع الفساد ومحاولات التقرير في
تعيين الطاقم المخوّل
على التنفيذ حيث انه لا يمكن معرفة من سيربح القرعة.
يقرّر
المواطنون جميعهم على اي نوعية من القرارات تستطيع الاقلية في القرار نفسه
ان تفرض
الفيتو. عندما تفرض الاقلية فيتو على قرار ما عليها ان تقترح قرارا بديلا.
يهدف
هذا القرار الى التوصل الى تسوية بين قرار الاغلبية وبين موقف الاقلية. حق
الفيتو
غير قائم طالما لا يوجد هنالك اقتراح قرار بديل لان القرار قد اتخذ لتلبية
الحاجة،
وفي غياب أي قرار فستبقى الحاجة قائمة.
كرد
فعل على الفيتو، تستطيع الاغلبية تغيير القرار الاصلي وصياغة قرار جديد
يأخذ بعين
الاعتبار رأي الاقلية أيضا.
يقرّر
المواطنون ايا من القرارات يلزم
اولئك
الذين صوتوا من اجله فقط لكنه
لا يلزم
اولئك الذين صوتوا ضده.
يتم
تنفيذ الديمقراطية المباشرة في اماكن العمل، في مؤسسات التربية وفي
العائلة. مع
هذا، يستطيع العمال في مكان عمل معين، او الطلاب والطاقم في مؤسسة تربوية
معينة،
يستطيعون – تماما كما هو الحال مع باقي مواطني الدولة كلها
– رفض حقهم في اتخاذ
سياسة معينة وبدلا من هذا تعيين متخذي قرار كما يرغبون، بشرط ان تتم
المحافظة على
حقهم في العودة الى الديمقراطية المباشرة في اية لحظة.
يكون
المواطنون كلهم ملزمين بالدستور الذي يقرر ما هي قوانين الاساس
للديمقراطية
المباشرة.
بالامكان
تغيير الدستور في اي وقت لكن هذا الامر يتطلب اغلبية متميّزة.
يمكن
تقديم اي قرار للنقاش من جديد والتصويت عليه بعد سنة.
[إلى
الأعلى]
17. مشاكل
في الديموقراطية
المباشرة
يواجه
المجتمع نوعين من المشاكل في طريقة اتخاذ القرارات:
1. مشاكل
تقنية.
2. مشاكل
جوهرية.
للمشاكل
التقنية حلول تقنية، لكن المشاكل الجوهريّة هي مثل الأعاصير: يمكن
معالجتها لكن لا
يمكن التخلّص منها.
إذ
يمكنها أن تظهر ثانية – وعلى شكل جديد، ويجب التعامل معها
بأساليب جديدة.
تنبع
المشاكل التقنيّة في الديمقراطية المباشرة من أن لملايين المواطنين الحق
في طرح
اقتراحات قرار، وبحثها والتصويت عليها، وكذلك من حالات الطوارئ التي يجب
فيها
اتخاذ قرارات سريّة أو وجوب اتخاذ قرارات في برهة زمنيّة قصيرة.
لم
تكن هنالك في الماضي حلول لهذه المشاكل وذلك لانعدام الوسائل التقنية
لحلّها. لكن
اليوم، تمكّن الإتصالات الالكترونية من استبيان ماذا يريد الملايين من
ابناء حوّاء
خلال دقائق. من الواضح ان سيرورة تنفيذ استبيان كهذا يجب ان تكون مخطّطة
بشكل يضمن
السريّة والخصوصيّة. فإذا كان هذا ممكنا في القرارات المالية فإنه ممكن
أيضا في
القرارات السياسية.
يمكن
للجان التي تقرّر في كل ما يتعلّق بهذه المواضيع ان تحل مثل هذه المشاكل،
إنما يجب
تعيين اللجان بالــقــرعــة
وتحديد التعيين لعام
واحد. هذا الأمر يمنع
تكوّن نخب تتحكّم بالمجتمع عن طريق وظائفهم التقنية.
تقرّر
اللجان التنفيذيّة كيفية تنفيذ القرارات وليس ماذا تكون ماهيّتها.
هنالك
في الراهن قدرة كبيرة للقائمين على تنفيذ القرارات لأن وظيفتهم غير محدودة
بزمن (فالموظف
الحكومي يمكنه أن يظل بوظيفته وقتا طويلا) وهذا يتيح تكوّن النخب. وهي
تتكوّن
عندما يتم تعيين القائمين على التنفيذ بشكل شخصي أو عن طريق الانتخاب أو
القرعة
وعندما لا يتم تغييرهم. اللجنة ضرورية لأن المعرفة التقنية في الموضوع
لازمة لأجل
تنفيذ القرارات.
تختلف
المشاكل الجوهرية تم |