Akiva ORR's books
www.abolish-power.org
Home







الفهرست Comments PDF
EnglishItalianoРусскийDeutschFrançais Españolעבריתالعربية
Tell A Friend

 

سـيـاســة

 

بــدون

 

سـيـاسـيـيـن

 

 

 

 

عكيفا أور

 

 

 

 

©

 

 

يسمح نسخ، تكرير، وتوزيع هذا الكتيّب بأي شكل كان على الا يكون الهدف لغرض الربح وان لا تموّه روح ما جاء فيه.

 

كتب هذا الكتيب  باللغة الانجليزية في الاصل ويمكنك ايجاده في موقع الانترنت

 

www.abolish-power.org

 

شكرا: لدافيد مرحاف على ترجمة الكتيّب الى العبرية، والى عنات بارليف، امنون هيلل وعدنا شيمر على ملاحظاتهم والتصليحات المجدية.

وحيث أنني كنت قد أدخلت تغييرات كثيرة في الصياغة النهائية للكتيّب فهم ليسوا مسؤولين عن الافكار والاغلاط الواردة فيه. فالمسؤولية عن الفحوى, الصياغة، الافكار والاخطاء تقع على عاتقي فقط.

عكيفا أور، تل- أبيب، حزيران 2005

 

ملاحظة: استعمال صيغة المؤنث او المذكّر يؤشر الى الجنسين.


الفهرست

 

 

مقدّمة

4

1.   السياسة - ما هي؟

6

2.   أن تقرّر هو ليس أن تستنتج

8

3.    قِيَم

11

4.   السياسيون

15

5.   المجتمع

18

6.  الدولة

20

7.   الديموقراطية

22

8.   الحريّة

24

9.   المساواة السياسية

26

10.  الأحزاب

29

11.  الديموقراطية المباشرة

31

12.   الديموقراطية المباشرة في أماكن العمل

33

13.   الديموقراطية المباشرة في أجهزة التعليم

35

14.   الديموقراطية المباشرة في العائلة

37

15.   القواعد الاساسية للديموقراطية المباشرة

39

16.   كيف تعمل الديموقراطية المباشرة

41

17.   مشاكل في الديموقراطية المباشرة

43

18.   ردود على النقد الموجه للديمقراطية المباشرة

50

19.   كيف نحقق الديموقراطية المباشرة

57

[إلى الأعلى]

 

 


مقدّمة

 

فقد معظم الأشخاص ثقتهم في معظم السياسيين في جميع انحاء العالم. في كل دولة تطالعنا الصحافة يوميا عن الغش لدى السياسيين والفساد والتجاوزات المختلفة, وحتى هنالك سياسيون كثيرون لا يحظوا بثقة مؤيديهم. يعتقد الكثيرون بان السياسة تخلق فسادا بالضرورة -فهنالك المثل المعروف: "إن أي حكم يفسد"-, وتوقف كثيرون عن المشاركة في العملية الانتخابية لانهم فقدوا ايمانهم بان الانتخابات يمكنها خلق تغييرات مهمة في المجتمع.


عدم المشاركة في العملية الانتخابية هو تصويت بـ "عدم الثقة" في مبنى النظام.

هنالك من خاب ظنهم من سياسيين فاسدين ويبحثون عن سياسيين أنقياء, وفي حال وجدوهم, فستتحين اللحظة, لا محالة, التي فيها ستصيبهم خيبة الأمل منهم. يؤمن البعض ان الدكتاتورية تمنع الفساد ولذا فهي أفضل من حكم الممثلين الذين انتخبوا في الانتخابات. وهناك آخرون من هم على معرفة بأن الفساد في النظام الدكتاتوري انما هو اكبر منه في نظام منتخبي الجمهور; هؤلاء لا يرون أي بديل للنظام الانتخابي وبهذا ييأسون ويتركون إدارة المجتمع للسياسيين. هذا يؤزّم المشكلة, بحيث تبقى إدارة المجتمع في ايدي قلّة تهتم لذاتها وليس للمجتمع.

ماذا يمكن فعله لتحسين وضع السياسة البائس اليوم؟

يشرح هذا الكتيب كيف يمكن للمواطنين انفسهم ادارة المجتمع بدون سياسيين.

 

"السياسة" هي اتخاذ القرارات تتعلّق بالمجتمع كلّه . اذا كان المواطنون يقرّرون بأنفسهم ماذا على المجتمع بأسره أن يفعل فلم تكن هناك حاجة للسياسيين. السياسيون هم مجرّد ممثّلون للمواطنين ولا أكثر, وهناك حاجة لممثلين فقط اذا رغب المواطنون ان يمثّلهم أحد ما غيرهم. من يمثل نفسه لا يحتاج الى شخص آخر ليمثّله. اذا أعلن المواطنون انهم يمثّلون انفسهم فلن تبقى هناك اية صلاحية لممثّليهم. الصلاحية في اتخاذ القرار عن الآخرين هي مصدر الفساد في السياسة. يعمل اؤلئك الذين يطمحون الى امتلاك هذه الصلاحية أي شيء من أجل الحصول عليها, فيما يعمل من لا صلاحية له أي شيء من أجل الفوز بفضائل أصحاب الصلاحيات. بأي شيء نقصد أيضاً الأعمال الغير مقبولة اخلاقياً وقانونياً. استغلال الصلاحية الممنوحة يولّد الفساد.

صلاحية اتخاذ القرار عن آخرين هي – "القوّة" في السياسة.

"القوّة" – ليس السياسة – تولّد الفساد. عندما يقرر المواطنون جميعهم بانفسم ماذا قرارات متعلّقة بالمجتمع كلّه فهناك تكون "الديموقراطية المباشرة" (د.م), وهي "مباشرة" لان كل مواطن يقرّر مباشرة – دون ممثّل – جميع القرارات السياسية. في نظام حكم الديموقراطية المباشرة لا يقرر احد عن الاخرين ولا يتلقى أحد راتبا مقابل قرارات سياسية, فلفي هذا النظام لا توجد حاجة الى السياسيين. إلغاء صلاحية القرار عن الآخرين تبطل الفساد وتنظف السياسة من الغش، الرشوة، التلوّن والمشاحنات. إن ثمن ادارة المجتمع في الديمقراطية المباشرة قليل جدا حيث لا أجر مقابل القرارات السياسية، فلا يوجد هناك سياسيون لكي توفّر لهم المصروفات (رواتب، مكاتب، سكرتاريا، سفر الى خارج البلاد، محفّزات وسيارات). نظام كهذا يشجع مشاركة المواطنين انفسهم في إدارة المجتمع. سيحل هذا النظام مشاكل اجتماعية كثيرة, لكن ليس جميعها. فلا يوجد أي نظام حكم يمكنه ان يحل جميع المشاكل الاجتماعية, والذي يؤمن بوجود نظام كهذا فهو مصاب بوهم خطير للغاية.

ليست هناك أي إمكانية لحل جميع المشاكل الاجتماعية

النظام الذي يشارك فيه جميع المواطنين في اتّخاذ القرارات ولا يقرر أي شخص فيه بدل الآخرين قد يحل مشاكل اجتماعية كثيرة, لكن ليس جميعها. عندما يحق لأي مواطن الاقتراح والمناقشة والتصويت على جميع القرارات فلن تكون لاي شخص صلاحية القرار عن الاخرين ولن يتمتع أي شخص بـ "القوّة السياسية". "القوة السياسية" تعمل كالمخدّر الذي يدمن عليه الاشخاص ويعملون أي شيء للحصول عليه. الذي يملك الـ "القوّة السياسية" – في كل دولة، في أي بلدية، في أي كنيسة، في أي نقابة مهنية، في أي مدرسة وفي اية عائلة – يدمن عليها. يجب اعتبار "الـقوّة السياسية" مثل المخدّر والشخص الذي يستعمل هذه "القوّة" مدمنا على المخدّر. شخص كهذا سيفعل أي شيء من اجل الحصول على المخدّر. ان الديمقراطية المباشرة هي دواء لترك هذا المخدّر, فهي تمنع اتخاذ قرارات سياسية بدل الآخرين مما يمنع وجود "القوة السياسية".  لكل مواطن في نظام كهذا صوت واحد – فقط واحد – في أي قرار سياسي. كل مواطن يمثّل نفسه فقط ولا يمثّل أي مواطن آخر. اذا سبب القرار نتيجة غير مقبولة فان المسؤولية تقع على عاتق المصوّتين الى جانب القرار. لأجل منع تكرار قرارات كهذه على كل من صوّت الى جانبها ان يعيد النظر في اعتباراته. هذا يجبر الناس على البحث عن اسباب المشاكل السياسية في دواخلهم – ليس خارجهم – والتغلب عليها.

المبدأ الأساسي للديمقراطية المباشرة هو كاتالي: لكل مواطن الصلاحية للاقتراح، البحث، والتصويت على جكيع القرارات التي تتعلّق بالمجتمع كله.

كل مواطن يقرّر عن نفسه فقط ولا يقرّر شخص بدل الآخرين. هذا يلغي الـ"قوّة" السياسية لان الـ "قوّة" السياسية تعني الصلاحية في اتخاذ القرار عن الآخرين. لكل مواطن حق الاقتراح في اية لحظة، وكذلك البحث والتصويت على أي قانون وسياسة. وكل مواطن يقرر إذا يستعمل -وكيف يستعمل- هذا الحق.

[إلى الأعلى]

 


1.                             السياسة – ما هي؟

 

مصدر الكلمة الانكليزية “politics”, والتي تعني "سياسة", هو الكلمة اليونانية polis, أي "مدينة", والمدينة في اليونان القديمة كانت بمثابة دولة ايضا.

كل مدينة في اليونان القديمة شرّعت قوانيناً لها، وأنشأت محاكم لها، واخترعت نقدا خاصا بها، وكان لها جيش خاص بها وكذلك سياسة خارجية.

كثير من هذه البوليسات سمّيت باسماء من أنشأتها: فقسطنطينوبوليس هي البوليس التي بناها القيصر قسطنطين; أدريانوبوليس أنشأها القيصر أدريان; وأكروبوليس هي "المدينة العالية", أي الجزء الجبلي من أثينا.

ف"سياسي", اذا, تعني كل من هو متعلق بـ "بوليس"; وال"سياسة" هي "اتخاذ القرارات المتعلّقة بالبوليس".

ما تقرره الـ"دولة"("polis") يسمى "سياسة" ("Policy"), ولئك الذين يقررون ماذا تفعل الـ "بوليس" هم ال"سياسيون".

الذين مهمتهم تطبيق قوانين الـ"polis" يدعون police, اي الشرطة. في اللغة العبرية جاء المصطلح "משטרה" ("مشطاراه" - الشرطة) من الجذر "משטר" ("مشطار" - النظام), حيث الـ"משטרה" (الشرطة) هي الجسم الذي يحمي الـ"משטר" (النظام).

 

كانت هناك في اليونان مدن قرر فيها شخص وحيد ماذا تفعل المدينة كلها، فيما قرر شيوخ مدن أخرى أو أصحاب الأرض في ماذا تفعل مدنهم. في أثينا قرر جميع المواطنين ماذا تفعل المدينة كلها. هذا النظام يدعى "ديموس – قراطية"، لأن الـ "ديموس" (demos) أي كل المواطنين (لم يشمل هذا النساء والعبيد في العصر القديم) قرروا جميع القرارات التي تلزم المدينة كلها.

يستعمل المصطلح "ديمقراطية" في ايّامنا للاشارة الى نظام الحكم الذي يقرر فيه ممثّلون عن المواطنين – ليس المواطنون انفسهم – جميع القرارات لأجل المجتمع كله. من الخطأ تسمية نظام حكم يقرر فيه ممثلو المواطنين ماذا يعمل المجتمع كله باسم "ديموس – قراطية". ففي الـ ديموس – قراطية يقرر الـ "ديموس" ذاته ( أي جميع المواطنون بأنفسهم), ولا يقرر شخص بدل آخر.

 

ما زال الكثيرون اليوم يرضون بان يقرر عنهم ممثلون, فهؤلاء لا يرون اي بديل آخر. حتى زمن قريب كان يلزم الكثير من الوقت من أجل فحص ماذا تريد الجماهير. ولكن في الوقت الراهن يمكن فعل ذلك عن طريق الوسائل الالكترونية – الهاتف الخليوي، البطاقة الممغنطة، الحاسوب وشبكة الانترنت.

يستطيع اليوم ملايين المواطنين اتخاذ أي قرار يتعلق بالمجتمع كله. نظام كهذا هو "الديمقراطية المباشرة", والذي يستطيع فيه أي مواطن – بدون ممثّل – ان يقترح، وأن يبحث ويصوت في أي قرار يتعلق بمجمل المجتمع.

هل هذا ممكن تقنيا؟ نعم.

هل هذا مقبول؟ متعلق لمن. لبعض الاشخاص – لا. لآخرين – نعم.

 

السياسة هي اتخاذ القرار عن المجتمع كله.

عندما "نقرّر", ماذا "نقرّر"؟

 

في السياسة هناك نوعان للقرار:

1.  القرارات السياسية, والتي تقرّ بما علينا فعله.

2. القرارات التنفيذيّة, واتي تفرّ بكيفيّة الفعل.

 

يبحث الفصل التالي بقرارات من النوع الاول.

 

ويبحث الفصل الذي يليه في قرارات من النوع الثاني.

[إلى الأعلى]


2.                             أن تقرّر هو ليس أن تستنتج

 

يخلط الكثيرون بين عمليّتا أخذ القرار والاستنتاج. أخذ القرار ينبع في احيان كثيرة من الاستنتاج وبالعكس, لكن الحديث هنا هو عن إجتهادي تفكير مختلفين. فأن تقرّر امر ما هو ليس ان تستنتجه.

 "أن نقرّر" يعني ان نفحص امكانيات مختلفة وأن نفضّل إحداها.

"أن تقرّر" هو "أن تفضّل".     TO DECIDE IS TO PREFER

"أن نستنتج" هو أن نتفحّص وضعا (وليس "إمكانيات مختلفة") ونقوم بتشخيص داءه.

"الاستنتاج" هو "تشخيص" TO CONCLUDE IS TO DIAGNOSE

هنالك 4  فوارق بين "أخذ القرار" و"الاستنتاج":

1. "أن نقرر" هو أن "نفضّل". أي عندما يكون هناك عدد من الامكانيات يجب تفضيل واحدة.

يتحدّد التفضيل بواسطة القيمة (أنظر الفصل الثالث). لذا فان قراراتنا تتعلق بقِيَمنا.

لكن "ان نستنتج" فهو "ان نشخّص". هنالك تشخيص صحيح واحد فقط لا يمكن تفضيله. والتشخيص الصحيح هو نتيجة أكيدة للمعرفة والمنطق.

يتحدّد "الاستنتاج" بموجب المنطق وليس وفق القيمة. ونجد أنفسنا مضطرين لقبوله حتى لو عارضناه. انه لا يتعلق بالقيم. هنالك استنتاج واحد صحيح وعلينا استنتاجه من المعرفة بواسطة تحكيم المنطق والمعرفة التقنية.

يتحدّد الاستنتاج وفق المعرفة والمنطق لكن القرار تحدّده "القيمة".

 

2. يكون القرار "جيدا" أو "سيئا" لكنه لا يكون "صحيحا" أو "خاطئا".

"غزو لبنان" (عام 1982) كان قرارا "سيئا"/"جيدا" وليس استنتاجا "خاطئا"/"صائبا".

لكن الاستنتاج يكون "صحيحا" أو "خاطئا" وليس "جيدا" أو "سيئا".

2 +2=5 هو استنتاج "خاطئ" وليس "سيئا"، وبالطبع انه ليس "قرارا".

 

3. من يتخذ قرارا يكون هو مسؤولا عن نتائجه حيث كان بامكانه اتخاذ قرار آخر – بحسب قيمة أخرى – والحصول على نتيجة أخرى. لكن من يستنتج استنتاجا فهو غير مسؤول عن نتائجه حيث انه ليس بمقدوره ان يستنتج استنتاجا آخر هو أيضا صائب.

من يستنتج استنتاجا فهو مسؤول عن صحّته – وليس عن نتائجه.

 

4. المعرفة تحدّد الاستنتاج لكنها لا تحدّد القرار.

هذه المعرفة تضطر أشخاصا مختلفين استنتاج الاستنتاج ذاته، لكنها لا تجبر أشخاصا مختلفين على اتخاذ القرار ذاته.

 

لايضاح الفرق بين القرار والاستنتاج، نقارن بين الامير هاملت الذي يفكر في: "ان يكون او لا يكون؟" وبين الطبيب الذي يفكّر في: "أن يقطع أو لا يقطع؟"

 

كان امام هاملت امكانيتان يجب عليه ان يقرر ايهما يختار. لا يمكن للمعرفة او المنطق ان يساعداه حيث انهما لا يحدّدان ما هو "الجيّد" له. لكن على الطبيب ان يجيب بموجب المعرفة الطبية، المنطق، والتجربة الطبية، التي تقود الى استنتاج طبيّ صحيح. إذا كان للاستنتاج نتائج "سيئة" فالطبيب ليس مسؤولا عنها. فالطبيب مسؤول ان يكون استنتاجه الطبي – "تشخيصه" – صائبا.

 

لنتصور مريضا يشكو من ألم في رجله. ونتيجة لفحص المختبر يستنتج الطبيب ان المريض أصيب بالسرطان فيقول:"إذا قطعنا رجلك فانك ستعيش، وإذا لم نقطعها فانك ستموت قريبا". يستغل الطبيب المنطق والمعرفة الطبية كي يستنتج استنتاجا طبيّا من المعرفة. انه يستنتج استنتاجا ولا يقرّر قرارا. فاذا كان استنتاجه خاطئا، فالامر يعود الى معرفة مضلّلة، أو استعمال خاطئ للمنطق والتجربة الطبية، لكن ليس لسبب قيمه. الطبيب يستنتج فقط والمريض هو من يقرّر – إذا كان يوافق على البتر - أو لا. المعرفة الطبية تحدد استنتاج الطبيب وليس قرار المريض وكيف سيكون رد فعله على استنتاج الطبيب.

الطبيب يستنتج والمريض يقرر.

يمكن للاستنتاج الطبي ذاته ان يؤدّي الى قرارات مختلفة لدى مرضى مختلفين. فقسم يقرر ان يموت على العيش معاقا، فيما آخرون يقررون ان يعيشوا معاقين على ان يموتوا. فأي القرارين هو "الجيد"؟

وهل يمكن للاستنتاج ذاته ان يؤدّي الى قرارين يناقض احدهما الاخر، لكن كلا منهما "جيد"؟

هل يمكن لقرارين متناقضين أن يكونا "جيّدين"؟

الجواب، على غرابته، هو -  نعم.

حيث أن هنالك قيمًا مختلفة للمرضى المختلفين، بعضهم يفضل العيش معاقا على ان لا يموت، والبعض الاخر يفضل الموت على ان يعيش معاقا. فالقراران "جيدان" لمن اتخذهما، حيث انهما ينبعان من قيم مختلفة، وليس من حقائق مختلفة، أو من معرفة مختلفة أو منطق مختلف. فالناس لها قيم مختلفة، ولا يمكن تبرير أي قيمة لان أي تبرير يعتمد هو الاخر على قيمة يجب تبريرها.

 

كيف نربط كل هذا بالسياسة؟

هل تتحدّد السياسة وفق القرارات ام بحسب الاستنتاجات؟

وهل "يقرر" السياسيون أم انهم "يستنتجون" ماذا يفعل المجتمع كله؟

في السياسة يقوم الناس بالتصويت.

"أن تصوّت" معناه "أن تنتخب" أي انك "تفضّل" امكانية واحدة على الاخريات.

كل من يحدّد السياسة – ملك، دكتاتور، رئيس، رئيس حكومة، سياسي أو مواطن عادي – يفضّل امكانية واحدة من مجموع عدة امكانيات.

لا يمكن تفضيل استنتاج لانه يوجد فقط استنتاج صحيح واحد.

لذلك، فانه من الواضح ان "السياسة" تتحدّد وفق قرار وليس كاستنتاج.

 

يتحدّد القرار بحسب القيمة، وليس بحسب المعرفة والمنطق او التجربة.

الحقائق ذاتها، المنطق ذاته، والتجربة ذاتها، كلها تقود الى الاستنتاج ذاته لكن ليس للقرار ذاته انما لقرارات مختلفة – بحسب قيم مختلفة.

ان الجواب على السؤال "ما العمل"؟ يكون دائما قرارا وليس استنتاجا.

نحن نقرّر ماذا نفعل (في الحياة الخاصة والعامة) ولا نستنتج ذلك. الذي يقرر هو المسؤول عن نتائج قراره لانه كان يستطيع ان يقرر بشكل مختلف (بحسب قيمة أخرى) وان يحصل على نتيجة مختلفة. الذي يستنتج استنتاجا فهو ليس مسؤولا عن نتائجه. حيث انه لا يملك ان يستنتج استنتاجا آخر صائبا هو الأخر.

السياسيون الذين تسببت قراراتهم بنتائج غير مقبولة يحاولون التهرّب من مسؤوليتهم لنتائج قراراتهم ويدّعون: "لم يكن لدينا اختيار".

وهم يدّعون انهم انما استنتجوا استنتاجا ولذا فهم ليسوا مسؤولين عن نتائجه.

لكنهم صوّتوا. والتصويت يعني انتخابا/تفضيلا. والتفضيل هو قرار.

لا يمكن اختيار/تفضيل الاستنتاج ولذا فلا يمكن إقراره.

[إلى الأعلى]


3.                             قِيَم

 

القيمة هي مبدأ يحدّد ما هو "الجيّد" وتتيح التفضيل. والقيمة ليست وسيلة انما تحدّد هدفا. بدون قيمة لا يمكن التفضيل. "أن نقرّر" يعني ان نختار امكانية واحدة من مجمل امكانيات. "ان نختار" يعني "أن نفضّل". ويتحدّد كل تفضيل بحسب القيمة. فالقيمة تحدّد ما هو "الجيّد" ولمن هو "جيّد". لكل انسان مثل أعلى حتى لو لم يكن واعيا لذلك، ويؤمن كثيرون ان قيمهم انما هي "طبيعية" أو "مفهومة ضمنا".

هذا خطأ. لا توجد قيمة طبيعية.

فالقيم هي اختراع بشري نحتاجها لأننا بدونها لا نستطيع التفضيل. واذا لم يكن التفضيل ممكنا فلا نستطيع ان نختار ولا يمكننا ان نقرّر.

 

قبل الحرب العالمية الاولى آمن كثيرون في اوروبا ان "الجيّد" يعني: "الخير لملكي ولبلادي". وآمن الكثير من الامريكيين ان ما "هو جيّد لشركة جنرال موتورز هو جيّد للولايات المتحدة الأمريكيّة", فهل ما هو جيّد لجنرال موتورز هو جيّد لشركة فورد؟ يمكن لعمال فورد ان يفكروا بشكل آخر.

 

القيم يخترعها اشخاص، وليس "الطبيعة"، وكذلك ليس "الله"، ولا "التاريخ"، وليس بواسطة "الواقع". ولا تفرض القيم علينا من الخارج، من الاعلى، او الاسفل. ولو أنها فرضت علينا لما كانت لنا مشاكل سياسية. يؤمن كثيرون ان "البقاء" هو قيمة مطلقة فرضتها الطبيعة علينا. لكن كل منتحر يدحض هذا. فلو أن البقاء كان مفروضا على هاملت، لغابت امكانية "لا للحياة"، ولكان عليه ان يقرّر ان يحيا.

لكن بالنسبة الى هاملت – وآخرين كثر – البقاء ليس قيمة مطلقة.

ولا يوجد أية قيمة مطلقة.

 

كشف استطلاع أجرته الـ BBC في العام 2004 ا